طوفان الأقصى والوصايات المتزاحمة

كنا صغارا عندما يتشاجر اثنان منا ويتلاكمان ويتلاطمان، يبرز مجموعتان مثلنا كل منهما تفرض وصايتها على أحد المتخاصمين.
كذلك الوصايات على الأمم والشعوب، تستهدف الهيمنة المصلحية السياسية والاجتماعية والتعليمية والثقافية والفنية والمالية والتجارية والاستثمارية والاقتصادية.
شعوب طالتها وصايات فلم تجف بسببها الدماء، كوصاية الغرب الأوربي والأمريكي وروسيا وحكومات عربية وتركيا وإيران، على ليبيا والسودان واليمن والبحرين وسوريا ولبنان والعراق وغيرها.
طوفان الأقصى لم ينج من احتدام وصايات عليه، لمغانم مرادة بالحرب أوبعدها، بتسجيل الحضور لضمان مقاصدها في النهاية، دون دخول المعركة لأنه حائل دون الغرض.
ففلسطين مركز الصراع العقدي والحضاري الكوني.
والولاءات متشابكة فكلٌّ تابعٌ لجهةٍ مبتزة.
ورضى الغيورين معيار، فببسط الهيمنة على فلسطين يتم الاطمئنان على الملك بالسبات الشعبي.
والوصاية مرآة عاكسة للانطباع الأجنبي، فالعميل يضمن عدم انقلاب القوى الغارسة للمحتل.
ومؤشر على ظلال الشخصية الاعتبارية.
وبفشل بلوغ الوصاية مصالحها تنسحب من المشهد خشية نسف الكبار كيانها بتحالفات أقوى.
فالغرب يمنع كل محاولات التهدئة خارج موافقته، لأنه باسط يده المتسلطة، مستنسخ انتدابا عصريا متجددا، مُزدرٍ قدرة الرعاية الذاتية.
ينبري على سبيل المثال أوصياء بين المواطنين بالداخل وأقاربهم وأحبابهم بالخارج في توصيل الأموال والإعانات والتبرعات لاختلاس قسط غير بسيط منها، أصبح مبلغ التبرع يصل منه نصفُه فقط، والحجة كثرة المرتشين والوضع الأمني الصعب، وإلا قيل للمتبرع تفضل واعْبُر به إن استطعت.
برزت الوصاية المخابراتية لحكومات كمصر وقطر في إدارة مفاوضات شروط إنهاء القتال.
حتى هؤلاء خاضعون لوصايات غربية كقطر المتعرضة لمطالب إخراج حماس من أراضيها.
وظهرت منذ الأيام الأولى للطوفان وصايات ضاغطة عربية رسمية كمصر والإمارات والسعودية والأردن وشبه الرئاسة الفلسطينية وغيرها تعرض على العدو استعدادها تسيير غزة ما بعد الحرب، ولعل القمة العربية الأخيرة تمت في هذا المشروع الوصائي، إذ لا أحد يدري اتفاقات الجلسة المغلقة.
وظفت إيران مظهرها الديني المخادع في إلباس الطوفان رداء وصايتها الفارسية فنصبت نفسها ناطقا رسميا متاجرا بجهود المجاهدين الميدانيين، علها تتخذهم ذراعا آخر تتدرع به في صراع الفرس والروم.
تكالب الأوصياء المفترسون على فلسطين وتمالؤوا عليها، ولعل كثرتهم تنذر بتآكلهم، وتُسَرِّع إنهاك قوى بعضهم، ليخرج أقصانا من بينهم سالما غانما.
عكس التوقف عند حدود التعاون، دون استهداف الوصاية صراحة أوكناية، فإنه أرقى العلاقات.
هذه الوصايات الأجنبية ترفض إنهاء الحجر السياسي والسلطوي ضمانا لاستمرار الامتيازات والاستنزافات والنفوذ لصياغة دروع إيديولوجية وجغرافية تُباعِد ساحات الصراعات، وتستأنف ابتزاز اقتصادات المقهورين، لئلا تنهار بتحررهم.
الوصاية الظالمة على الطوفان تقزيم لقدراته الفردية وإمكاناته الجماعية، في النقلة التحررية والانبعاث الحضاري، ولذلك توظَّف في الاحتجاج عليه بحجة عدم الاستشارة.
قيدُ الوصاية على فلسطين وجهادها التحرري مرفوض لأن الطبيعة العقدية والتاريخية تأباه.
ولأنها تصوغ انهزامات نفسيةً للغزيين بالتدريج، فتتقبل الوضع القائم المفروض، وتكسل عن مقاومته.
فدوام الحجر تحتها يعدد منابع التوجيه، ويشوش المناهج، ويغَشِّي حقيقة الطريق، ويهدد سلامة المسالك، أما الاستقلالية عنه فيفتح الآفاق لترى بنور من الله ويرسم لها العدة اللازمة.
أما مختطفو الوصاية بإخلاص ساذج، فيضيفون للطوفان إضعافا واستصغارا، وللعدو استقواء واستكبارا.
لست من معتبري طوفان الأقصى المحرر النهائي، لكنه في رأيي الهزة العنيفة المزلزلة لأركان الغرب، ورسالة لكسر قيود نفوذه إلى تحقق الشروط الشرعية والواقعية للفتح النهائي.
فلتلتزم هذه الكيانات حدود العون دون التجاوز إلى فرض مراداتها على أصحاب الحق الواضح، وأبناء الميدان الحقيقيين، وملاك الأرض والعرض، أوتُحَيِّد نفسها لئلا تضبب المسار على سالكيه.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم