ضياع الخلافة بين الفرس والروم

أشار النبي صلى الله عليه وسلم بوعده لسراقة بن مالك في طريق الهجرة ثاني اثنين تطلبه قريش بأبهض الأثمان، بمنحه سواري كسرى، إلى الآفاق الواسعة لدعوة الإسلام رحمة بالناس أجمعين.
تحقق ذلك بفتح أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فارس لاستكمال المشروع الكبير.
بعد أفول المجد الإسلامي، لأسباب يدركها أهل العلم والتاريخ، ليست للطرح الآن، تكررت مشاريع نهضة المسلمين دوريا على أيدي العلماء والمصلحين والدعاة فرادى بالنصح للحكام والشعوب دون تشكيل تنظيمات متراصة يترى بها التواصل والتمكين، لاستعادة خلافة ضاعت بإسقاط الدولة العثمانية بما تراها عين كل ناقد، وبتسمياتها المختلفة، حسب قناعات لسنا بصدد مناقشتها.
سقطت الخلافة العثمانية، وحرص الغرب اتعاظا على حرمان المسلمين من جامعة أخرى.
تَشَكَّلَ تنظيم الإخوان المسلمين عكس عادات الدعوات الفردية السابقة وتوسع الانضمام إليه في أقطار من العالم، فلُقِب بالتنظيم العالمي، وتشكلت تنظيمات وجمعيات خارجة عنه، لها مصب واحد هو استعادة شرف الخلافة الضائع، فعرفت بالاسم الجامع (الحركة الإسلامية)، اعتمدت على الإعداد الشامل، وعاشت فترات ازدهار بين الشعوب فقط.
بدأ يدب إليها الأفول بالتدريج، رغم حياة النواة، لأسباب كالخلافات وحرب الزعامات، والتدجين السياسي بالمشاركات في الاستحقاقات والمناصب والاستوزار بدون حسابات دقيقة مشتركة نابعة عن شورى جامعة، ودراسات دقيقة لعمق استخدامها، ارتدت عكسيا وتم توجيهها، واستُغلت وتراجعت هيبة شخصيتها، وأصبحت في أدبياتها مجرد إضافة.
تلاشت آمال المسلمين، خاصة بعدما دخل على الخط:
1/الفعل الغربي، إحكاما لأهرامات الحكومات لتوريطها وإمساكها من الأيادي الشلاء، لأنه قرأ التاريخ والمشاهد جيدا عالما أن تنظيمات الحركة الإسلامية مهما بلغ إعدادها قوة فلا مناص لها من الاعتماد على التئام الأنظمة في إطار مُوَحَّد ولو بالحكم الفيديرالي الإسلامي، فأصبحت الحكومات العربية السنية في أيدي الغرب.
ولأنه مفروض عليها توكيل من يُسَوِّقُ لها تم توظيف الدين، أنشأت أتباعها من متدينين مختلفين يجتمعون حول بلاطاتها، يلفظون لغتها المصاغة في أنابيب المخابرات الغربية.
2/التأثير الإيراني على الطرف الآخر من الإسلاميين بتوظيف الدين، وطعم (تحرير فلسطين والقضاء على أمريكا ورمي إسرائيل في البحر)، بشيء من السلاح والتدريبات ثمنا للمجد الفارسي المرتجى، وتلميع الصورة، ورهن القرار السيادي الحمساوي، ونقل صراع الفرس والروم إلى بلاد العرب.
عوض استمرار الحركة الإسلامية السنية في نهجها المستقل بالشعار الذي رفعته بُكورةُ نشأتها (لا شرقية لا غربية)، وقعت تنظيمات وأفراد وزعماء وقيادات منها في فخ الإعجاب بالفرس، والتشهير لهم، أصبح المشروع ينتظر المهدي كما ينتظره الشيعة تماما، بما يُبَوِّؤُهم لقب (الجالية الإيرانية)، غُسلت من أمخاخها جرائمُهم في سوريا ولبنان والعراق واليمن ضد أبناء دينهم، وجرائمُ الذراع اللبناني في الجنوب ضد السنة حتى أثناء حرب تموز 2006، في سبيل التمدد الشيعي الخفي.
وحتى الانقلاب على الرئيس مرسي حدث بين مؤامرات شيعية مصرية سرية، وإعانات عربية علنية.
ضاع أمل استعادة الخلافة بين المنع الغربي، والتوسع الفارسي، اختلت مؤشرات الإسلاميين بينهما، واضطربت بوصلتهم، حتى لنجد المنبهر بالغرب يبرر لسلطانه الموالي له، والموالي لإيران يبرر لها الغث والسمين.
أدعو قاصدي التمكين الرباني إلى المحافظة على الانسجام بين منطلقاتهم ومقاصدهم، وجمع شملهم، ومراجعة أوضاع يُسألون عنها أمام الله، باستقلالية:
1/عن غرب لا يريد تضييع مجده الحالي بأي ثمن، ويرفض قطعا إهدار مصالحه في المنطقة، ويعاف عودة شعب الكيان إلى دياره وشوارعه وأزقته وحاراته بعد أن تخلص منه في بداية القرن العشرين.
2/عن شرقي إيراني يفيده احتواء الحركة الإسلامية بالتوظيف الديني، إحياء للعهد الفاطمي والبويهي والعبيدي وغيرهم، فعقيدته لا تؤمن ببيت المقدس، ولا بقبة الصخرة، لأنهما ميراث العهدة العمرية.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم