طوفان الأقصى ونفسيات القيادات

الأحاسيس سنة ربانية، ملازمة للجميع، تتحرك انفعالاتها، حبا وبغضا، اطمئنانا واضطرابا.
العلاقة الحتمية بين الروح والجسد، المعنويات والبدن، من تكامل خلق الله، تطبع بالمرح أوالكآبة، من تسره حسنته ينبسط لعمل صالح، ومن تسوؤه سيئته ينقبض لعمل سيء، ارتقاءً في سُلَّم الضمير الإيماني أوالمهني أوالسياسي، لا تتخلف هذه النواميس في أحد، تبغي النفس رِحاب الله ثم ثناء البشر، أويفزعها الكوابيس والهواجس لتفريط أوخيانة أوبخل.
هذا هو المؤثر في نفسيات المحيطين بحرب غزة بالأوتار المقتربة أوالمتوسطة أوالبعيدة حولها، على مستوى الفاعلين الميدانيين، مجاهدين، مساعدين، أطباء، جمعيات، جماهير، حكومات.
التفاعل النفساني يحدد مداه مستوى الحدث، فالانفعالات متفاوتة بين فوز في مباراة، تجاوز امتحان، نيل شهادة، حادث مرور، حرب...
كل ذي لب يعلم بشعوره الغائر في أعماق نفسه وخزات الضمائر المختلفة للنفسيات تجاه حطام البيوت، المدارس، المشافي، إزهاق الأرواح، إراقة الدماء، أنين المتألمين، نحيب الثكالى، بكاء الأرامل، انكسار اليتامى، حيرة الأجداد على الأحفاد.
مفجر طوفان الأقصى حزين على الثمن الإنساني الباهض، أن يحاسبه الله على بذله بتوسط أوتبذير أوإسراف، لا يظنَّنَّ أحد أن قيادات حماس والقسام والجهاد والسرايا يتلذذون بنومات هادئة، ففرائصهم ترتجف من هول المذبحة وتأخر الجزار عن رفع السكين.
تمر عليهم الأيام والليالي كالحات وهم يشاهدون صور الجثث والأشلاء بلا شيء في الأفق إلا الرضا بابتلاء الله لنصر عزيز.
إن خشي الفرد في غزة على نفسه، فخشية القيادي على الجميع، تحاصره الضغوط من الصديق والعدو.
السلطة الفلسطينية تحاكم المقاومة على هجوم السابع من أكتوبر، تتمنى فرصة الهزيمة لا سمح الله للانقضاض على حكم غزة، غارقة من خُمْصِ الأقدام إلى أعالي الرؤوس في العمالة للعدو والتنسيق الأمني معه ضد المقاومة لا ضد الفساد، لا يحسبَنَّ أحد أن أفرادها ينامون دون هلوسة تحرمهم لذة الزفير السريري، أويأكلون دون أدوية تزيح التأثير العصبي القادم من ثقوب ضمائرية نسوا غلقها، إنهم يتساءلون الآن بلوعة عن نظرة الفلسطيني، الغرب، المحتل، المخابر العربية، إليهم، عن انتهاء صلاحيتهم، عن موقف الفلسطيني منهم، حتى سؤال المكلومين (وين بدنا نروح؟) يلفظه أنذال العمالة، (وين بدنا نموت؟)، (داخل الأرض أم خارجها مثل شاه إيران؟).
تَعْلِقُ المقاومة غصّةً في حلوقهم، كلما انتظروا هزمها للتخلص منها استقوت، يريدون التربع على كراسي السلطة لكن توجس نار الفضح يكويهم من إلياتهم الجالسة عليها إلى قلوبهم.
حكام المسلمين بعربهم وعجمهم، والعرب خصوصا ودول الطوق بالأخص، حكوماتهم، وزرائهم، مخابراتهم، مستشاريهم، قيادات جيوشهم، لا يتوهَّمَنَّ أحدنا خلو طواياهم عن الشعور بالخذلان وإسلام الخلان للعدو، ينخر الهوانُ بواطنَ رؤساء، سلاطين، أباطرة، أمراء، ملوك، إذا اجتمع اعتراف بالضعف وواقع الغلبة انكسرت سريرة صاحبه.
لم يبق من نخوتهم غير اللباس.
يمنّون الأنفس فقط بالوقت والتريث والأعراف الدولية والمناهج السياسية وغيرها، لكن النار أحر في وجدانهم من ظواهرهم المخادعة، أحلى أمنياتهم علقم:
تحرير فلسطين؟ لكن مرارة العجز تجفف شفاههم، وتلهب أبدانهم، التخلص منها؟ لكن ذعر خطفة شعوبهم يضمر قرءها، ويضعضع قلوبهم.
المقاومة ومؤيدوها بخط شعور واحد، وغيرهم بخطين مزدوجين.
الأولون يتابعون أخبار إخوانهم ليُسَرُّوا لهم ويحزنوا عليهم، والآخرون يخوضون صراعا باطنيا عنيفا لأنهم وصلوا بعمالتهم إلى أبعد من مسافة النصف، يأبى عليهم كابوسهم النفسي المدمِّر متابعة الأخبار.
يخمرون ويتخدَّرون لنشوة موهومة ضد هموم حقيقية.
لكن الفطرة الربانية في العبد غالبة غلابة، تعيده إلى الرشد، أوتُنَكِّد عليه تقلبات جوانحه.
شتان بين حيرة لله طمعا في الجنة، وأخرى طمعا في الدنيا الزائلة.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم