أحل الله للعباد السؤال عن أحكام الشرع لسلوكاتهم أوعليها، ومن الطبيعي أن توجه لأهل العلم الذين لا يجيب الواحد منهم بتسرع إذا تعلقت المسألة بالدليل النصي، أوغيره اجتهادا، أوبالفهم، وتوظيف قواعد الأصول في استنباط الأحكام، ومؤشر سلامتها من اعتلالها حسن النظر في مقاصد الشريعة إن اختل اليقين في حكم قطعي من النصوص.
كل ما تقدم يوحي بشروط الفتوى كالتبحر العلمي، ومنها استفصال السائل عن ملابسات تحيط بالقضية مما يعرفه ونسي ذكره، أوتغافل عنه، أولا يعرفه.
لا يجيب المفتي إلا بعد استفراغ الوسع في استجلاب وتصور كل ما يحيط بالمسألة، لكي تقع مطابقة للمناط المنقح يقينا أوظنا.
وإني أرى ضرورة معرفة ملابسات الفتوى لما يلي:
1/بيان حيل الناس:
يتحايل الكثير لاستلال ما ليس مشروعا بمصداقية الفتوى، فيعمل المفتي على استخراج تفاصيل قد يخفونها، أوتعرف حيلتهم فيها من خلال التلاعب بالكلام أوالتلعثم، أوالتردد، أوإرادة غير المقصود من الاستفتاء، كمن تكون عينه على مال أوميراث، أومنصب أواستحلال ربا، أوأغراض الناس، أولقطتهم، أوغيرها، لكنهم يريدون حمل شهادة إفتائية تبرر تجاوزهم.
2/تبين الحالات المختلفة للمسألة:
قد تحمل المسألة بين طياتها حالات مختلفة الأحكام، فيستفصل لمعرفة حالته الخاصة لتبليغه حكمه الخاص.
عن عبدالله بن عمرو قال جاء رجل إلى النبي ﷺ يستأذنه في الجهاد فقال: أحي والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد. رواه البخاري ومسلم.
فلو لم يتبين النبي ﷺ الحالة الثانية لرخص له في الجهاد رغم أنها أولى.
3/تبين شروط تنزيل الأحكام:
كالتأكد من استكمال شروط الطلاق من طهر، وعدم جماع خلاله، أوحيض أونفاس، وكونه الأول أوالثاني أوالثالث، أوحدث في غضب مغلق أم لا، أوشروط خلع، أولعان.
4/تحقيق العدل:
كاستفصال النبي ﷺ البشير بن سعد عن هبته العطية لكل أولاده أم لابنه النعمان فقط.
5/الاستفصال عن المخارج الشرعية:
إن بعض الفتاوى العرية عن الاستفصال قد تقتل بغير حق، فالنبي ﷺ لم يحد بالرجم ماعز بن مالك الأسلمي إلا بعد الإكثار عليه من الأسئلة رغم الحرج والحياء لتصب إجابات الجاني في حكم الرجم يقينا.
5/خشية إيقاع السائل في عنت من أمره:
كمن يبيح زواج متراضعين بلا معرفة مقدار ومدة الرضاع، فيتزوجها حراما بسببه.
6/خشية تضليل المستفتي:
بغير الصحيح يقينا أوظنا، إباحة أوتحريما، كمن لا يستفسر عن عقد قد يكون باطلا فيضله.
7/خشية تضليل المفتي:
فمن يقول رضعت مع فلانة، يضلل الإجابة في الرضاع، لأن الصحيح رضعت من فلانة، وكثير من المجيبين بلا استفصال يضلون عن الصواب.
8/تقوى الله في القول بغير علم:
ويقصد هنا العلم بحالات وشروط صحة التصرف، وليس العلم بالدليل فقط لأنها تعتبر مرشدا لسبيل الفتوى، فالتعامل الصحيح مع المسألة والحرص عليه، من تقوى الله تعالى.
9/صيانة هيبة العالم من تدافع أهل الأهواء على بابه لشرعنة مقاصدهم وحيلهم.
10/دربة على الملكة الفقهية، تيسر له التعامل مع حالات قادمة.
11/صيانة هيبة الشريعة من توظيفها ذريعة لمرغوبات بمصداقيتها.
فالشريعة ليست مرتع الأهواء، ولا جسر الرغبات، ولا مكان التلاعبات، فلا أحكام فيها إلا بدليل، لكي يشعر السائل بشريعة تتطلب الصدق والكشف عن كل متعلقات مسألته.
إن الملابسات الظاهرة، والخفية المستلة من قبل المفتي لها أثر طردي أوعكسي، وجب مراعاتها تجنبا للتمييع أوالظلم.
وعلى الناس تقبل الاستفسارات، وإن كانت من أسرارهم، كما يجهرون للطبيب، فهي منجيات، وعليهم الإعانة بذكر كل ما يريده المفتي، وبصدق، كما صدق البشير بن سعد في موضوع الهبة، لئلا يعرضوه للخطأ، لأنه بالتزامه الخطوات الصارمة لا يؤاخذ بالخطأ أوالكذب لأنه استفرغ وسعه في الاجتهاد لمنفعة المستفتي.
Tags:
شرعيات
