حاصر جنود الاحتلال الليلة الماضية حيَّنا بحثا عن مسلحين، وقد أخفى أحد الأصدقاء بندقية قتالية تحت حَجَر داخل جُحْر غائر ليسلمها لي بعد انسحابهم، علمت بموقع إخفائها، ضايقتني حيرة كيفية حملها وأنا مدني لست عسكريا متدربا على القتال، عاودوا الحصار، لكن انتابني نوع اطمئنان بعدما علمت أنهم جنود جزائريون جاؤوا يحرسوننا، تشير عقارب الساعة إلى الثانية وخمسين دقيقة ليلا حين استيقظت على ثقل يعيق حركتي من الرعب والارتعاد والتفكير في الإفلات من جنود الكيان في غيبوبة قبل استرجاع قوتي العقلية الكاملة وأنا في فراش النوم أمسك بتلابيب الغطاء من رعشة الخوف والانهيار، ذكرت الله، لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
أدركت أنه مجرد هاجس، دفعني كالجنين داخل رحم معاناة إخواننا في غزة والضفة الغربية كلما سمعوا فوق رؤوسهم وبيوتهم السليمة والناقصة والمهدمة هدير الطائرات ودوي الصواريخ وزمجرة الدبابات والجرافات والطائرات المسيرة التي يسمونها الزنانة، تعكر أيامهم وتقض لياليهم، تُحَيِّر رجالهم وتخيف نساءهم وتبكي أطفالهم وتذهب عقولهم وتشل أبدانهم.
هاجس أشعرني بترهل دقات القلب، لم أعد إلى طبيعتي إلا بعد الذكر والخروج من الفراش، فما الذي يفعله الواقع الحقيقي بإخواننا؟ يجب أن أعترف أني لا أطيق الوصف الأدبي الخيالي عن بعد لمجريات ميدانية أكبر مما أتصور.
الحرب على غزة والتي يريد المحتل توسيعها إلى الضفة التي يطلق عليها في عقيدته (يهودا والسامرة) بلغ أثر دائها على نفوس المظلومين وإخواننا في حماس والجهاد.
المظلومون من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا لا يعلم إلا الله تعالى معاناتهم المعنوية بالنظرة الآنية والمستقبلية، (وين بدنا نروح؟)، السؤال المعتاد على ألسنة العائلات الغزاوية في العراء وكل مكان ينوون النزوح إليه فيه قصف ورصاص وتجريف وهدم وتخويف وكأن آليات وأسلحة العدو تتابع نواياهم لتأتيها من الباب الخلفي، لا أظن السبب الوحيد لشلل الأطفال هو التلوث البيئي والجوع فقط، بقدر ما تسبب الهلع والفزع وقلة النوم والشوق إلى دقائق منه فيه وفي أمراض كثيرة، لأن المناعة نتاج عافية نفسية مثلما هي نتاج صحة بدنية، إذا كان الغزاوي يقولها بملء فيه ويتخلص من الألم، (وين بدنا نروح؟)، فإننا عندما نسمعها تتفطر أفئدتنا لأنهم قالوها وخلصوا أنفسهم، أما نحن فيؤلمنا السؤال كما يؤلمنا كمد الإجابة المجهولة.
(وين بدنا نروح؟)، استنجاد بلا منجد، استنقاذ بلا منقذ، سمعتها مرة من فم طاقم طبي حتى أتاه القصف واستشهدوا بعدها، لا أظن مسلما مخلصا محبا لهم غيورا على أعراضنا فيهم يمرر سمعه عليها بالإصغاء العادي.
ترى بماذا يشعر المسرور بمُشَيَّعِه إلى الجنة؟ أم يدس سُمَّ الألم في عسل الشهادة؟
لنا إخوان وأحباب فلسطينيون يقطنون في رحاب الجزائر بلاد الأحرار أصبحت أتحرج من كثرة استفسارهم عن أهلهم هناك لما أحس من مضاعفات آلامهم وحسراتهم ودمعاتهم على من استشهدوا ومن ينتظرون وما بدلوا تبديلا.
كثير من أجدادنا الجزائريين قاسوا بالتساوي أوأقل أوأكثر ما لحق بأحفادهم الفلسطينيين اليوم، أذكر هذا المآل، أتساءل عما إذا كنا سنرى بعد توقيف الحرب بالنصر إن شاء الله مرضى بداء الألزايمر، الجنون، الإصابات المفاجئة بالتخلف العقلي، الاكتئاب، خرف هول سماء تمطر الرصاص والصواريخ، تحتضن النفاثات والهيليكوبتر، زلزلة الأرض بالانفجارات والمزمجرات والدبابات وصفوف مشاة العدو، أزمات، ثم سكتات قلبية من ضعف التحمل.
يا حكام المسلمين والعرب بالخصوص ودول الطوق بالأخص أيرضيكم كل هذا وأنتم تتنعمون وتأكلون وتشربون وتتبعَّلون وتسرحون وتسبحون وإخوانكم وأولادكم محرومون؟ لا أسمع همسا، الله غالب...
Tags:
مجتمع
