الوعي مصدر تشريعي تبعي

الوعي لغة الفهم والتدبر، والوَعِيُّ هو الفقيه الكيس.
ومفهومه الفطنة العقلية، واليقظة الذهنية، والحيوية المواكبة للتعامل الفكري والعلمي والفقهي.
أشرت في مقالي السابق بعمومٍ إلى تقلب الفتوى بين الفقه والوعي، وضرورة التحلي به تحملا ونقلا.
لمَّحت إلى إمكان جعله مصدرا تشريعيا تبعيا، انطلاقا من نظرتي التجديدية لأصول الفقه في قسم المصادر، وترتيبها وتحديثها وتصنيفها كأصليةِ القرآنِ والسنةِ، وتبعية ما بعدهما بالمتفق عليه، والمختلف فيه (أدبيا فقط)، {راجع مقالاتي من يوم الثلاثاء 14جويلية 2020م الموافق لـ 23 ذي القعدة 1442هـ، إلى ما بعده في تجديد أصول الفقه}.
ومع الإشارة إلى تأثير تغيرات الزمان والمكان والظروف والحالات والحيثيات في الفتوى الاجتهادية تأصيلا أوفهما، فتجاهلها أثناء استماع المفتي لطرح المستفتي والاقتصار على التفكير في الحكم ودليله على الأكثر يفرغها من محتواها، وكأنَّ المسؤولَ كان يفتح أذنا للفعل وحكمه، ويغلق أذنا للظروف والملابسات المحيطة.
جاء رجل إلى عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه يشتكي من فقأ عينه، فأمر الخليفة بإحضاره لعل عينيه فقئتا.
لذا يكون للوعي الفقهي عمليات ذهنية سريعة أومؤجلة إذا تريث في البحث والإجابة.
سئل الشيخ الطاهر آيت علجت رحمه الله عن مُسِنٍّ أفطر رمضان لذهول وعيه، فقال لأَنْ أحكم بالكفارة لعجزه خير من رفع القلم لجنونه.
وإذا قصدنا به الفطنة فيعني مواكبة مقاصد المستفتي المشروعة وغيرها.
فتوى عمر رضي الله عنه بإمضاء الطلاق الثلاث دفعة واحدة، وإبطال طلاق حكمين، وإبطال عثمان رضي الله عنه طلاق المريض مرض الموت نابع من وعي عالي المستوى.
قد يستفاد من المصادر التشريعية (المختلف فيها) المسايَرة للتفاعل العقلي السليم مع الواقع، كالاستحسان وتقلبات الزمن (مثالا لا حصرا).
فالمرأة التي قضى البعض بعدم إشهادها في الجنايات لمكوثها في البيت، منحها الزمن الجديد التجوال في الشوارع، واقعا لا حكما، اختيارا أواضطرارا، للدراسة والعمل، غدوا ورواحا، لا يمكن تهميش شهاداتها على حوادث المرور، والسرقات، والمناوشات، والاغتيالات، وطعنات الخناجر، بل تعتبر إضافات جيدة لتوضيح الرؤية عند القاضي في تقليبه ملفات القضايا الجنائية.
العلوم الإنسانية والكونية والاجتماعية والإلكترونية وغيرها جوانب نافعة فرضها الواقع المتطور، فلابد من استحضارها في وعي العالم بالشريعة، ليتحكم ويحسن استخدامها ويسخرها ليجيد صياغة أحكام الإسلام.
فمواقع الأنترنت المهتمة بتخريج الحديث كثيرة، بصدقها وتحريفها، لابد من الوعي بالاستفادة من سرعتها.
واقعُ الأمة قوة أوضعفا، علما أوجهلا، جدا أواستهتارا، طبيعةُ السياسات، الحكوماتُ عدلا أواستبدادا، قيمُ المجتمعات وحرياتهم الفردية والجماعية، ومقتضياتُ الأحوال المتحكمة في تقديم أوتأجيل الفتوى، عناصرُ وعي تتضح وقد تنقدح كصلصلة الجرس في الذهن.
اكتشف معاوية رضي الله عنه مقتضيات أحوال أرغمت عليا رضي الله عنه على تأجيل القصاص من قتلة عثمان رضي الله عنه فأجله رغم مطالبته به سابقا.
تجول ابن تيمية مع شباب فوجدوا بعض التتر سكارى، طلبوا منه نهيهم فقال دعوهم، فإن صَحَوْا قتلوا المسلمين.
الوعي بالبورصات وربوياتها، والاستثمارات البنكية، يصون السلامة المجتمعية بسلامة الإفتاء.
الفتوى حماية حقوق وواجبات الناس بينهم، ومع ربهم، فلا يمكن خلوها من عامل التفطن القارئ لمبتغيات ما خلف السطور وغايات الألفاظ، لتُخَرَّجَ وفق حكم الدليل وفهمه الصحيح ومقصده المؤشر.
أريد من العالم والفقيه سبق الخب بسرعة البديهة.
وأريد من علمائنا تصنيف وترسيم الوعي مصدرا تشريعيا تبعيا، ولو في آخر فصول البحوث، واضعين الإطار الصحيح لمظاهره المزكية لولوج عالم الفتوى، وقبول التعامل معها، فإن فعلنا ذلك فقد شدَّدْنَا على شروطها وضيقنا على جرأة غير المؤهلين، ومنحنا الأمة مَنَعَةً علمية قوية.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم