تمت الانتخابات الرئاسية الجزائرية المسبقة وقدر الله ما حدث قبلها وخلالها وبُعيْدها، أبرز مظاهرها المشاركة، المقاطعة بوعي، الغياب بإهمال أوتقصير أوغفلة، فعاليتها أوعدمها في تغيير النظام أوالسلطة، أوإصلاح تدريجي أوسريع وإمكان البدائل عنها شرعا وواقعا ومنطقا.
كل الشعوب متذمرة من أداءات حكامها، للواقع المزري المعبر عن نتائجها، يمكننا تصور الاحتمالات الآتية من التجارب الإقليمية، والترجيح بينها:
1/الثورات:
-المظاهرات والاعتصامات لإسقاط الأنظمة، مآل أغلبيتها سقوط سلطات لا أنظمة، تلتف ببدائل حول المطلب الشعبي، تعود الجموع إلى بيوتها، تجتر الوعود الجديدة القديمة.
مفاسدها:
-الفوضى الملقبة بالخلاقة، تنتهك بها الحرمات والثروات والممتلكات.
-النزاع المسلح، ينتصر فيه السلطان، ادعاءً لحفظ الأمن، ولا تخفى قيمة النفس وجرم إزهاقها.
-بالنظر إلى الجو العالمي السياسي والأمني، ستجلب تدخلات دولية بحجة التوسط، يستغل الوضع، يبسط النفوذ، ترتب أوراق وحسابات لم تخطر على بال الثوار.
-ذهاب المعروف وحلول المنكر الأكبر.
2/التمرد المسلح:
لا يمكننا استنساخ تجارب غير المسلمين في بلاد الإسلام بحكم ضوابطنا الشرعية المحرِّمة لسفك الدماء وترويع المسلمين، حتى الجمل وصِفّين كانا خطأين، لا يوجد تنظيم مسلح في العالم قلب النظام إلا مدعوما من جهات لا تهمها الأرواح المزهقة، تنهي النزاع المسلح وفق شروط تحفظ مصالحها، أما باستقلالية فلا.
المحرضون على الثورات والتمرد المسلح يلتزمون بيوتهم إذا اندلعت، يدفعون بالغوغاء والغلابى إلى محرقة الموت بإغراء، ليستأثروا بالنصر إن حدث، أوبصياغة صفقات مع الأنظمة إن تغلبت، وأحسن هدية يُكرَم بها الموتى "رحمه الله".
3/الانتخابات:
كأساليب شورية متطورة للتعايش، ووسيلة تحرير الفكر والرأي، ونتائجها ملزمة شرعا، ومعلمة عند المستبد، ليقضي ما يشاء، إلزاميتها تمنع تزوير التصويت حفاظا على البلاد والعباد باستخراج أحسن الحلول الاجتهادية خارج النصوص الثابتة والقطعية دلالة، وهذا شرط يجهله محرموها خشية بعبع الديمقراطية، لكن أنظمة وسلطات كثيرة في القسم المتخلف من العالم تتحكم فيها كي لا تخرج عن مراداتها.
ونتيجته:
١/دعاة المقاطعة، لأن:
أ/المشاركة إسهام في استمرار ممارسات قديمة لم تصبح بها الانتخابات ممرا للتداول الطبيعي للمناصب والسلطة.
ب/المشاركة تمنح الأنظمة الفاسدة مصداقيات متواصلة دون نزاهة.
بعضهم يقاطع حين تصلح المقاطعة، وبعضهم يقاطع ولو هلكت الدولة.
٢/المهملون واللامبالون بسبب:
أ/عدم علاقة الانتخابات بانشغالاتهم الجزئية.
ب/البلاد المتخلفة لا تصلحها الانتخابات.
٣/المشاركون:
أ/المتوقعون الظروف الضرورية للمشاركة حفاظا على الدولة من الانهيار إذا حفت بالمناسبة الانتخابية مخاطر أمنية، خاصة في الإطار الجيوسياسي المحيط.
ب/المشاركون احتياطا لبطاقة الناخب من أي مكروه غير مفرقين بين الحق والواجب.
ج/القاصدون مكاتب التصويت عادةً فقط.
بناء على ما سبق نقول:
لم يبق لنا أمام مخاطر الخيارات السابقة إلا الانتخاب تمسكا بالحق في الشورى.
لم ترقَ الانتخابات إلى مستوى الثقة، لكن مسيرتها الطويلة توحي بتحسن بطيء غير مقبول.
فوضني والدي للتصويت على رئيس الجمهورية، سُلمَت لي بطاقة "نعم" لأضعها في حساب هواري بومدين، ومع الضغوط السياسية عبر الاستحقاقات المتتالية افتُكَّ حق الرقابة واستلام المحاضر وغيرها وبقيت أشياء كثيرة لغلق باب التزوير والشك، يمكن افتكاكها بتوازي المشاركة والمطالبة المحرجة.
أما الأقليات الموقنة بعدم فوزها بارتقاء الشروط فتعمل على تسريب فكرة المقاطعة لأن:
1/الفوضى عندها أفضل من قبول الهزيمة.
2/الفترات والسلطات الانتقالية المناسبة لها أفضل خيار للاستيلاء على السلطة وقهر الأغلبية بنفوذها غير الطبيعي.
وبعد استكمال شروط نزاهة الانتخابات أوأغلبها ننتقل إلى شغل آخر يبني حضارتنا المنشودة بالتدريج إن شاء الله.
تنبيهات:
1/حفظ الدولة مقدم على الموقف من الانتخابات.
2/الانتخابات وسيلة وليست غاية، فإن وفَّت بمقصودها، وإلا بطل اعتبارها، فعار علينا جعلها محور تشرذمنا.
3/التلاحم الوطني أولى من الآراء المفرقة.
4/لكلٍّ حق الاقتناع بأحد الآراء أعلاه، فلا مشاحَّة فيها، ولا إلزام، ولا إنكار ولا همز ولا لمز بسببها.
الرأي وتفعيله سلوكا هو اجتهاد، له ضوابطه وقواعده وظروفه وملابساته المحيطة، أمارةً لبيان القرار، وهو اختصاص العلماء ومعهم أهل السياسة، لا يفتي فيه العوام والدهماء والغوغاء.
فاتركوا كلاًّ ورأيه، وإذا كانت السلطة والانتخابات وسيلة فرقة فلنلزم الوحدة والأخوة والدولة ولتغرق الانتخابات والسلطة في الطوفان.
Tags:
سياسة
