رمي الكراريس والعمى التربوي

انتشرت بدعة تمزيق التلاميذ كراريسهم ونثرها على الأرصفة والشوارع، بعد إنهاء الامتحانات الأخيرة، في سابقة لا شرعية ولا علمية ولا أخلاقية ولا تعليمية ولا تربوية.
لم أكتفِ كمن يُغْفِلُ الأسباب والنتائج والضحايا بعتابِ جيلٍ يهين تعلماته، بقلتها أوكثرتها، يواريها سفهاءُ المدرسة القمامات.
أفضلُ علاجٍ شامل صحيح سليم للظاهرة الواحدة الالتفات إلى ملابساتها المتعددة، لاستقدار الإلمام بجرمها بالإشارة إلى كل دوافعها.
فاقتصار تنبيهاتنا وعلاجاتنا على جوانب، قد يُبْهِتُ عن أخرى أخطر، فالمسألة شاملة وليست قاصرة.
إن هذه الظاهرة تدل على عَتَاهَةٍ نفسية عميقة، منها:
1/إحساس التلميذ بثقل الكراس على عاتقه:
برفضه التدوين رغم الإلزام المتكرر، فيراكم له انتقاما نفسيا مُلِحًّا، يفجره آخر السنة.
2/خلل علائقي:
أ/بين التلميذ والمادة والأستاذ، فبغضهما، ينتج التفاعل السيء معهما ويجعل الكراس ضحية.
ب/خطه السيء، يعقد نفسيته برفض مرافقة ذكرياته، رغم مرحليته التاريخية لحياته، وضرورة تقبله.
ج/أما مجتمعه التعليمي، فلرغبته النفسية في تلبس ثوب بطل يتحدى الكل أمام زملائه، ويصف بالجبن المجتهد المحافظ على أدواته.
تلميذنا بحاجة إلى رعاية معنوية، وتشريع قوانين وتعليمات تحاصر خطورة التأثيرات الخارجية المزاحمة لتمدرسه السليم.
فالظاهرة نتيجة وليست أصلا، والتلاميذ ضحايا ومنفذون بالوكالة.
ويوجد انحراف اجتماعي، يهين العلم والأستاذ، يزيل قيمة العلم، فإذا ازدرى التاجر والمقاول العالمَ، والممرض الطبيبَ، والمشرف التربوي الأستاذَ، فقد تُوُدِّعَ منه.
وهناك دوائر أراها مسؤولة وأسبابا:
1/الأسر:
التي تمدرِسُ أولادها لكل شيء إلا للعلم، ولا تحفز عليه، ولا تصل إلى نتيجة الحفاظ على المكتسبات الوسائلية كأرصدة تاريخية للفرد، ولا عجب، إذ لا رصيد اقتدائي لأكثرها، فإن لم يكن للتلميذ كمٌّ تاريخي بتلك الوسائل فسيسخر منه أولاده وهو يحثهم على التعلم.
2/الشبكة الرقمية:
أ} بمنافعها وتدفقها المعرفي الصحيح، انتقص به التلميذ كتابه وكراسه، وأستاذه، وتبقى مواقع إلكترونية، قد تختفي فجأة، فيجد نفسه ضيع الكراس وتعويضه.
ب} بمفاسدها ومخاطرها، فيتعامل معها بالغيب، لا يدري حقه وصوابه من باطله وخطئه.
إن الكراس يوفر الهدوء المعنوي خلال التدوين والمراجعة، عكس التصفح الإلكتروني الذي يغرس قلقًا واستعجالًا بحثا عن المزيد والخلاصة، لانهمار المعارف هنا وهناك، فيحرم التحصيل، إلا من تأنى وصبر، وهؤلاء قليل.
3/التجهيل:
وهو فاعل متشعب، ومنه:
أ} جهات فاسدة:
بدفعها نحو التفريط في العلم وأهله، ووسائله، ولو بالأمثال العامية الجاهلة المُحَكَّمَة، كقولهم {اعطني فاهما، ولو ما درس}، {اللي قرأ قرأ بكري}، {اسأل مجربا ودعك من الطبيب}، ترهات سفيهة فرضت المصير المشهود، وانتقمت لئلا يرتقي على حساب جهلها من يعوضها في المناصب والمسؤوليات.
ب} الدوائر الإيديولوجية:
وأقصد الموالية للفكر الغربي والفرنسي بالخصوص، يؤلمها تدوين القرآن ولغته العربية دراسة، وتدريسا بها، فأغلب الأوراق الممزقة المبثوثة على قوارع الأرصفة والشوارع من هذا التصنيف.
ج} الدوائر الأجنبية الاستعمارية:
بقصد استئناف عملية التجهيل الممنهج حسدا، لإبقاء الهيمنة على العالم الإسلامي، بترغيب أولاده في السيء الجذاب، وتنفيرهم من الحسن ولو تدرج سبيل طلبه.
والعلاج الشامل يقع على عواتق:
١/ المؤسسة التعليمية:
بغرس قيمة العلم ووسائله وأدواته قبل العلامة والانتقال، والرصيد المعرفي والتاريخ العلمي للفرد، وأن الكراس من المعبرات عن العلم بغزارة صامتة.
٢/ المسجد:
بالتطرق إلى جميع الجوانب الفاعلة والمؤثرة، وتفعيل الجانب الروحي في التأثير.
٣/ الإعلام:
الضيف المتكرر على البيوت، قد يربو دوره على المدرسة والمسجد، عوض تغليب البرامج التافهة، عليه تسخير وسائله ومقراته كمدارس نافعة لتأثيرها الاجتماعي والنخبوي.
٤/ المشرفون على برامج الفيديو:
كاليوتيوب، والمواقع النافعة، فليعوض ابتغاء مكتسباتها المالية، بإغراق الفضاء المستهدف بتعليم الناس وتربيتهم، أولياء وأولادًا على قيمة العلم، والتحذير من إهانته، وفضح الكائدين من وراء الستائر.
بهذا المنهج نعالج الآفة التربوية، أما تجزئتها فترفع داء جهة، وتغفل أخرى.
يا نشء يا رجاءَنا:
احذر استعمالك في تحطيم حضارتك وراء ظهرك، فتصبح دمى محركة.
لا تَسُقْ ما خَطَّتْهُ أناملك نحو القمامة، فإنه جزء من رصيدك التاريخي الذي كلما ضاعفت حجمه أحيى ذكراك بعد مماتك.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم