طوفان الأقصى والتخلص من القضية

لم يتبرم المجتمع السياسي الحاكم العربي خصوصا والإسلامي عموما من الفلسطينيين مثل هذه المرة، التي يخوض فيها طوفان الأقصى أضرى المواجهات مع المحتل، فلم تطل الحرب مثل هذه المدة، والطامعون في الاحتضان الغربي "يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ" يتمنون الخلاص من فلسطين، للاندماج مع مجتمع الاحتلال، بعد تطبيع العلاقات، يقولون للفلسطينيين "خلصونا واتركونا نرتاح منكم".
شكلت لهم القضية صداع النهار، وألم الليل، والهوان الذاتي، والذل النفسي، والتحطم المعنوي، مع التعامل الديبلوماسي، والتنسيق الأمني، والانبطاح السياسي، والانغماس الجنسي، والتورط المادي، وجلبت لهم الانتفاضات الشعبية، والمقاومات المجاهدة على قلة سلاحها إحراجا كبيرا، ففي كل هبة تقض ذاكرتهم بالواجب المهمل، والأخوة المتروكة، والمسلِمين المسلَمين، والتاريخ والعدو والمصير المشترك، اجتمعوا أم تفرقوا، تعاونوا أم تظاهروا، تقرع جحودهم، وتستنهض بواطنهم، تُزعجُ راحتهم، ما تلبث لهم غفوةٌ، حتى يُفزعَهم هاجسُها، ولا سكرةُ اللهو والتجارة إلا وتُصحيها نهضةٌ تحرريةٌ أبيةٌ، تَحْشُنُ مضاجعهم، وتهز عروشهم، وتزعزع ممالكهم، وتميد أرائكهم فيدعون إلى الهجرة من فلسطين، ويضغطون، ويدفعون نحوها، وهم يجهلون الفرق بين الهجرة النبوية من مكة، والثبات على الإقامة في فلسطين.
1/ في مكة كانت الدعوة جديدة، وقريش مقيمًا أصليًا.
2/ قريش لم يستوطنوا مكة باحتلال.
3/ هاجر المسلمون مكة لانعدام العاضد، فمكوثهم يعرض الإسلام للإبادة، أما الفلسطينيون فالعالَم الإسلامي العريض مكلف بالذود عنهم، ورد العدوان عليهم.
فلا يبيح شرعٌ، ولا يَقْبَلُ عقلٌ تسليمَ هذا العالَمِ الشاسع المتكاثر مقدساته لعدوان حادث غير أصيلٍ، بالهجرة بحجة العبادة، تنفيذًا للتهجير القسري الغربي.
4/ الدعوة إلى الهجرة منها تبرير التخلص من الواجب، كما تخلصت أوربا من اليهود التائهين في الأرض.
5/ وهي استجابة لمطالب اجتماعية حاقدة داخلية للاحتلال.
6/ الهجرة كانت بحثا عن مكان آمن على الدين، ولا تستمر الدعوة إلا بموطن يتبناها نظاما وشعبا، فاستُهْدِفَ آنذاك حفظُ الأنفس لحفظ الدين، وتركُ الصراع المسلح مع المشركين إلا بعد التمكن من قاعدة مكانية، أما الآن فالدين في كل مكان، ولا خوف عليه.
7/ الدعوة إلى الهجرة الآن لحماية النفس، لا لحماية الدين، فلا يجوز ادعاء صيانة النفس للدين، بل يجب التضحية بها للأرض والعرض.
هذه فروق جوهرية يجهلها دعاة الهجرة من فلسطين، أويبررون بها القعود والخذلان، لاغتنام باقي الأعمار بعيدا عن إمعاض القضية، وبدون تحديد بلدٍ يضمن عدم إزعاجهم، في قياسٍ على ماضي قوم موسى أجدادِ المحتل تائهين في الأرض أشتاتا، والإيمان والحياء يمنعنا من إسلامهم لهذا المصير.
فهم يحاكون اللورد بلفور الذي كان يكره اليهود فتخلص رفقة الغرب من وجودهم في أوربا.
على أن مواقف التخلص من فلسطين، أصناف:
1/ السلبيون البعيدون، غير المُضَايَقِين، لأنهم ليسوا من دول الطوق.
2/ الوسطاء وسماسرة السياسية والمال لتوقيع صفقات توفيقية، للتخلص من القضية.
3/ كيانات لوجيستية للعدو، دون تخفٍّ.
وهؤلاء يجتمعون في استعمال الدين ولَيِّ أعناق نصوصه وتأويلها انطلاقا من النظرة السياسية المسبقة، وليس من الأصل الشرعي.
أما مغتنمو تصفية القضية فهم:
1/ الغرب عموما، لضمان عدم عودة اليهود إليهم بعدما طردوهم رسميا سنة 1948.
2/ أمريكا لاستغلال غاز ميناء غزة باطمئنان.
3/ الشيعة في فارس والعراق ولبنان واليمن بأفول ما يهدد حسينياتهم وشعوذاتهم للهيمنة الروحية المخادعة على العالم الإسلامي وبث الدين الشيعي بأمان.
4/ المتاجرون بها كعملاء حركة فتح، والعصابة الفارسية، يشترون بها الزعامة الهزيلة، ويتباكون عليها كالتماسيح، ويُصَخِّبُونَ الساحات والقاعات بالميكروفونات، كالهررة تحكي انتفاخا صولة الأسود، ولا يميلون لها كل الميل فيذرونها معلقة.
إن مشروع التخلص من القضية المركزية والمقدسة للمسلمين، يهيِّء لأصحابه إلقاءها في غيابات النسيان، لكن الأجيال الآتية ستعيد نقشها وإحياءها في صخور المستقبل، وتدوس خونتها، ولن يتم لهم ذكر إلا بالسوء.
إنهم يعلمون ويتغافلون، بأن العدو سيلتهمهم فرادى وكيانات بعد فراغه من فلسطين، وسيجرف كل من يجده منهم في طريق تجسيد مشروعه الاستعماري الكبير {لا قدر الله}، ولن يصدر منه عرفان لخدماتهم، وسيصدق عليهم قوله تعالى{هَا أَنتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ}، سيندمون، ويتمنَّوْن استرجاع الأنفاس والدائرة عليه، لكن الله سيستبدلهم بقوم غيرهم يحرر بهم مقدساته، ولعلنا قريبون على مرمى حجر من تلك الساعة، والعياذ بالله.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم