طوفان الأقصى والقلوب لدى الحناجر

بين الحق والباطل صولات وجولات مقدرة في الغيب الأزلي، ليُخْتَبَرَ الصادحُ بالإيمان، وتُعلم طبائع الصادقين، ويُسبر الكاذبون، والمتوجسون، وبخلاء الجهد والتكليف، فالإنسان مطلوب على منصة التحدي، ومحكمة الدفاع على الأهلية البشرية، والتشاكس مُوُقَّعٌ في الأبد الأرضي، مصدَّقٌ بالإعاقات، في البدن، والنفس، والمال، والزاد، والكراع، والمركب، والسلاح، والخِلاَّن، فَيعَكِّرَ للطالبين مرادهم، ويُضَبِّبَ اتجاههم، ويُؤلمَ فكرهم، ويجهدَ عقولهم، ويُبْلِغ قلوبَ المتيقنين والظانين حناجرَهم.
طريق الفعل البشري يُزَوِّرُهَا جمال التسخير الرباني، ولو بالنفع الراجح والمكروه المرجوح، فَتَتَعَرْوَسَ للسالكين، وتسر الناظرين.
أجمعت قريش أمرها وشركاءها يوم بدر على النبي صلى الله عليه وسلم ونفر من أجناده، واستنفرها اعتراضُ المسلمين قافلةَ أبي سفيان لاستخلاف نهبِها الديارَ والمتاعَ والأموالَ المهجورة بمكة، حتى قال:"اللهم إن تُهْزم هذه الطائفة فلن تعبد في الأرض"، وظهر إبطاه الشريفان من التضرع إلى رب السماء والأرض، ويوم أحد تمالأ معسكر العِدَى بالعدد والعتاد، وكُسِرَتْ رباعيته، وجَرَّ معسكرُ الإيمان في رواحه درسَ الطاعة والعصيان، والالتزام والنكوث، والثبات والتقلب، والقيادة والجندية، واستراح للاحتساب والتوكل، لما قيل "إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم"، وانقلب بنعمة من الله وفضل لم يمسسه السوء.
قد يُبتلى طوفان الأقصى بمثله، فيُكْتبَ له العود بعد حين، أودهر، يقينا من الله، ولو جُرِفَتْ غزة عن بكرة أبيها، وإلا فإنْ يُفَكَّكْ الرباط فلن يعبد الله في الأقصى، تعالى عن ذلك علوا كبيرا.
وتداعت حشود الخندق على النافرين والقاعدين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، يحفره صلى الله عليه وسلم بالثقة الفياضة وشرارة الفتوح الساطعة، "الله أكبر فتحت الروم، الله أكبر فتحت فارس"، تحت هزء النفاق الموالي لأحزاب الباطل، ابتغاءَ سَلِّ المقدور من رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وبحضرة حَيْرَةِ المضطربين، لكنَّ فرجَ الله انهمر من سمائه، وانبرى من أرضه، بجنود لم يرهم قلب، ولم يستوعبهم عقل.
قد يؤيد الله الياسين وشواظَ ورجومًا بمثله، بعد إتيان العرب والعجم من الأعلى والأسفل، للتملص من التكليف الشرعي بحراسة غزة، وزاغت الأبصار وبلغت القلوبُ الحناجرَ، وابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا، وظن المحبون والمناصرون الظنونا، وقال المرجفون ما وعدنا حماس والجهاد إلا غرورا، وضحكت فارس وذراعها اللبناني بالتوريط على المرابطين، لكنَّ إجلال الله لقدسه يكبت دوام الدائرة للغرب وجرثومتِه عليه، لأنه سبحانه لن يُسْلِمَ المخْلَصِين، "بفتح اللام"، وبِقَاعَهُ، ولن يُغْزَوْا بعدُ، بيقين كبلسمٍ إيمانيٍّ حَمَى قلوبًا من السكتة اليائسة.
تخطى طوفان الأقصى ثلثي الطريق، بقي له على الوصول شيء من الدماء واليتامى والثكالى والمجروحين والمكلومين، وعنقِ زجاجةِ رفح، وأمارتُه التناقص عن ذروته الأولى، فلا عود للطوفان يرتضى، وإلا فمطاردات القيادات ملاحِقةٌ في الأمصار والأقبية والأنفاق، والمحتجزاتُ والمعتقلاتُ مستظيفةٌ، والاغتيالات نائلةٌ كنيل المبحوح، وأحمد ياسين، والرنتيسي، وأبي عمار، والعاروري، وقوافل الشهداء غُدُوًّا وَرَوَاحًا.
رجحت المؤازرة على المؤامرة، واستغرقت شعوبَ الأقطار، فلا دخولَ إلى الديار، ولا وضعَ الأقلام، ولا تكميمَ المنابر، ولا خيانةَ الأمانة، ولا غفلةَ عن المخذلين والمثبطين وسماسرة وساطة وشفاعة السوء، يبتغون كفلًا منها، ليأخذوا من المالك حقه، وينجشوا للظالم عدوانه، وكان الله على كل شيء مقيتا.
لم يَكِلْ الله التمكين لطائفة إلا بسننه، سيري عباده ما سَرَحَ في الغيب القابل، ليفرح المؤمنون يومئذ بنصر الله من باب أولى، كما أفرح أسلافهم بغلبة الروم، فما رموا ولكنه رمى، وليبليهم منه بلاء حسنا، وليوطنهم على قلوب أعدائه يوم الآزفة لدى الحناجر كاظمين ما لهم من حميم ولا شفيع يطاع.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم