كفها المادي مرتبط بالالتزام الروحي العقدي، وليس العكس، إلا إذا كان المدني أمارة على الديني، وهذا تقتصر ملاحظته على شديد الانتباه، وليس مؤديا إليه باطراد عكس قيادة الجانب الديني الكامل السليم.
الأمة الإسلامية بكسلها، وضعفها الروحي، محسودة من غرب هالته حضارتها بقيمها قبل سلاحها، وبزخمها المنظوماتي المتاح لنهضتها المحذورة المحظورة غربيا، ظن القوة مقتصرة على السلاح، فهرع إلى تطويره بشكل رهيب لاختطاف سيادة العالم بالخطأ المنهجي، ولو مؤقتًا، لافتقاده الميزان الروحي مادة الحسم الخالدة.
تعلمنا تقليديا أن الحسد تمني زوال النعمة، وربما العمل بالمكر والخداع والتآمر على اقتلاعها، مع مكوث الحسود في وضعه، وعجزه عن الارتقاء إلى مستوى المحسود.
لكنه لا يُقصد لذاته، وإنما يمتد نحو التوجس من شأن المحسود مستقبلا، فيعمد الحاسد إلى قطع طريقه.
وهذا هو واقع غير المسلمين كلما بعث الله رسولا، فما انضموا إلى أفواج الداعين إلى دينه والاغتنام من منافعه، ولا تركوا المرسلين يمضون في سبل التكليف الإلهي، بل أرادوا إعادة المهتدين إلى ملتهم، أوقتلهم، حسدا للاصطفاء.
{وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنا أَوْلَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا} سورة إبراهيم.
أخبرنا الوحي بتوالي حركة الحسد الحضاري لنُسْقِطَ دروس الغيب على الشهادة، {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَٰنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ} سورة البقرة.
إن القاصر المشاهد غير المعتوه الفاقد لآليات السير الحضاري، والتقدم السباق، والعاجز عن تمثل القيم، المقعد عن الانطلاق ولو تقليدا، يكفيه الحسد لإعادة عجلة التاريخ إلى غائطها المعطِّل.
ذكر الله تعالى تزوير أهل الكتاب لحقائق الإيمان {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَٰؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا}، ثم ذكر حسدهم، {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا} سورة النساء.
إذا اعتاد الناس على الحسد الفردي البسيط، في لعاعات دراهمية، أودواب مزينة، أوبيوت فارهة، أوسيارات فاخرة، وليس له غالبا أثر جماعي، فإن الحسد الحضاري الذي فضحه طوفان الأقصى وفضح تاريخه وأصوله وباءٌ جماعيٌّ.
حَسَدَ يهود الحجاز المسلمين على النبوة، فعملوا على تعطيل وصولهم إلى شأن حضاريٍّ يستيقنونه، وغزو أحفادهم غزة مرحلة منه فضحها طوفان الأقصى.
وبنو مخزوم حسدوا بني قصي على النبوة.
ذكر الأخنس بن شريق شهادة أبي جهل في صدق النبي صلى الله عليه وسلم، وحسد نبوته بقولته:"ولكن إذا ذهبت بنو قصي باللواء والحجابة والسقاية والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟"
الحسد الحضاري نذير حروب، لإثبات ذات فاسدة، ينسف العمران الإسلامي ومعالمه وأذواقه، بحقد دفين، وعاهة فكرية، وداء نفسي، وضيق آفاقي، وعمى عشوائي، يخرب إنجازاتنا لمجرد الأفضلية الروحية القيمية، المحققة للأمن والاستقرار، فقد عبد الله في الأمن أكثر من غيره، وأسلمت أفواج البشر فيه أكثر من أوقات الاضطراب.
قال فرانسوا ميتيران بغليانٍ حاسد للزعيم علي عزت بيغوفيتش رحمه الله "لا نقبل بقيام دولة إسلامية وسط أوربا"
الغرب وأجداده يحسدون الحضارة الإسلامية على الانضباط العقدي والأخلاقي ثم العمراني والمادي الجميل، والخيرية الموهوبة لنا، والبحبوحة القيمية المؤهلة لاستعادة أستاذية العالم كسابق عهد النبوة والخلافة الراشدة.
وإبادة غزة تمهيد لشمول لو استمرت الخيانة التي فضحها الصمود، وبعده ستُرَاقَبُ وتُحْظَرُ محاولات نفض الغبار عن جسد الأمة لاستنهاضها، ولن تشفع الخيانة في شيء لمستمرئيها.
Tags:
مجتمع
