طوفان الأقصى والعمى الحضاري

الحضارة الإنسانية مؤسسة على قيم تشد تحملها للنوازل، في عالم النزاعات والنزوات والنرجسيات والمطلبيات المتناقضة.
وأهمها التناسب الحميمي بين الجمال ومنتجاته العمرانية والأخلاقية والطبيعية والعلمية والثقافية والمزاجية الإنسانية ومعنوياتها النفسية، وصراعه التجاذبي مع القبح.
والانزلاق دليل ضعف التأسيس، وهوان البناء الإنساني فرديا وأسريا واجتماعيا، وجهالة عمياء لمتلازمة التشييد الحضاري.
وأماراته الغفلة عن إشارات الانهيار الإنساني، وعن اتقائه، والتجاهل المسبق لآثاره بعد الدمار.
فالانحراف الحضاري الإنساني يصعب التنبه إليه لتعلقه بالنفسيات والمعنويات وسِرِّيَّاتِهَا وتفريطاتها التي قد تفاجئ بوصولها إلى الجرم، وسريانه الخفي كالشيطان في دم ابن آدم، وحينها لا وقاية، ولا تعويض ينفعان، وينتقل الفعل الإنساني إلى محاصرة الخرق، قبل الرأب.
إن انتشار بعض هذه المعالم ليس جديدا على الإنسانية، بل هو أوبعضه قديم أقره الإسلام بعد البعثة النبوية، يوم كانت القبائل بعربها وأعرابها ضابطة أبناءها بنخوات تنأى عن أذية الضعيف، أوقتل الأعزل، أومطل المستحق، أوهتك العرض، أوشبع بحضرة الجائع، أوإتلاف عمران، أوإهانة حرمة، أوتعمية مَعْلَمٍ.
رسم الإسلام منهاج التلاحم البشري، وبنى على متينه، وأضاف ما يزينه، فعاش المنضوون تحت رعايته في اطمئنان وأمن جميلين.
لقد احتاط للاعتلاج السيء مثلما أوأكثر لأخلاق الاحتكاك الحسن، فتعالى التعامل الحضاري الإسلامي الإنساني على الاعتبارات السيئة، حتى في ساحات الوغى، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن الإجهاز على الجريح أوقتل الشيخ والمرأة والطفل والمدبر والمدني.
والحضارة الإسلامية لم تكتفِ بطبيعة العمران المادي، بل تذوقت التطلع إلى الجمال وصيانته، يتخلل المناقشات المدونة في المصنفات العلمية عن الحسن والقبيح والسباق بينهما وشرعيتهما وعقليتهما.
فضح طوفان الأقصى عمًى حضاريًا وصَمَمًا حواسيًا، وعقمًا تربويًا، في بصائر الغرب الرافع بالكذب لواءَ التمدن والعلم والتكنولوجيا والحرية والعدالة والمساواة، بتحويل الهزائم العسكرية نحو المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا.
وفضحت الإبادة وحرث الطرقات المعبدة وتحويلها إلى سابق صحراويتها وقصف المستشفيات الإنسانية، والوحشيات والحيوانيات البشعة، فريةَ التحضر الغربي بإسناد مُبَطَّنٍ بعمى الحقد الديني الإنجيلي التوراتي على ما هو إسلامي قرآني جميل.
عجزوا عن مقابلة العسكري للعسكري فقبَّحوا جمال غزة، وانسيابَ شوارعها، ولا عجب فإن حارات وأزقة أجدادهم بلغت من التعفن ما دفع بالغرب إلى طردهم نحو المشرق ليحملوا أوساخهم إلى بلادنا المقدسة.
فشل المحتل، بهمجيته، وعماه، في صون الكرامة الإنسانية، عكس رعاية أجدادنا لأجداده، فمنحوهم حق المواطنة على أرضنا، وعاشوا يستنشقون عبق الحضارة الإسلامية آمنين مطمئنين.
عميان البصيرة، وفاقدو الرهف بمتع الماضي الجميل، ومستنكفو الإفادة من عادات مؤسسة لقواعد الحياة والتعايش، وفقراء التذوق الحضاري، ينتهكون أذواق العمران العتيق، والطرق، والمفاوز، والأزقة، والجداول التاريخية، ويهدمون جامعات العلم لتجهيلِ غيرهم، ومنعِ أنفسهم إفادات يفتقدونها.
المسلمون أساتذة الحضارة لم يدمروا آثارا نحتت التاريخ، إلا ما أضر بالإيمان والإسلام وأركانهما، فمدائن صالح، ووادي مُحسِّر، وأهرامات الفراعنة وتفاصيلها جاثمة شاهدة على عدم تخريب أجدادنا حضارات مرت من هناك.
حافظوا على كل الإنسان منهم ومن غيرهم، وأحسنوا للطبيعة ولو خلال التحارب فدفنوا موتى غيرهم رعاية للبيئة والآدمية، أما الطيران الغربي بميزاجه الدموي، فيحرم الغزاويين من المواراة الكريمة، لأنه أعمى حضاريا وإنسانيا، فلا معنى لتظاهره بخدمة بنيه مع افتراس غيرهم.
الجمال الحضاري ليس متاحا لكل عين، فأعمى البصيرة، لا يتنامى في حسه.
وإذا نظر كُلٌّ إلى الكائنات بطبعه فلا ننتظر من الخبيث رؤية النقاء.
فلينتبه المغررون بالغرب إلى وحشيته وعنصريته، ليعالجوا بصائرهم من الغشاوات، ومن الاستيلاب والانهزام.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم