الهدي يوم النحر، أما هو صلى الله عليه وسلم فقرن بين الحج والعمرة لأنه ساق معه الهدي.
عن أنس بن مالك قال: قَدِمَ عَلِيٌّ رَضيَ اللهُ عنه علَى النبي صلى الله عليه وسلم مِنَ اليَمَنِ، فَقالَ: بما أَهْلَلْتَ؟ قالَ: بما أَهَلَّ به النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فَقالَ: لَوْلَا أنَّ مَعِي الهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ. وزاد محمدُ بنُ بكرٍ، عن ابنِ جُرَيْجٍ: قال لهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: بما أهللْتَ يا علِيُّ؟ قال: بما أَهَلَّ به النبيُّ صلى الله عليه وسلم، قال: فأهْدِ، وامْكُثْ حرامًا كما أنتَ. رواه البخاري واللفظ له، ومسلم.
وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقتُ الهدي، ولحللت مع الناس حين حلُّوا. رواه البخاري.
استشكلت عليَّ المسألة لأنَّ المتمتع عليه هدي، والنبي صلى الله عليه وسلم ساق الهدي، فلماذا لم يتمتع مثلما أمر به من لم يسق الهدي؟ وقال (لو استقبلت من أمري ما استدبرتُ)...؟
ففتح الله عليَّ بسرها فجر يوم الأربعاء 27سبتمبر 2023م الموافق لـ12ربيع الأول 1445هـ، بعد بحث، فوجدت باختصار:
النبي صلى الله عليه وسلم طبق قوله تعالى (وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) 196/البقرة.
فحُجَّاجٌ كثر معه لم يسوقوا هديًا ولم تقصدهم الآية، ومنتهاهم شراؤه بعد إتمام الحج لذبحه، أما هو صلى الله عليه وسلم فكان معه ولا يتحلل إلا في محله، فأدخل الحج على العمرة قارنًا لهما بإحرام واحد، وتمنى (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقتُ الهدي) أنه لم يسق الهدي ليحلَّ له التحلل كسائر الحجاج، تمنى أن يملك الهدي بعد تمام الحج ليذبحه لأنه سيتمتع بعمرة قبل الحج.
ينبني على ذلك مسائل:
1/المحل الوارد في الآية له معنيان:
المكاني: وهو منى، أومكة.
الزماني: وهو يوم النحر، أي يوم الحج الأكبر.
والذي أُرَجِّحُه والله أعلم، أن المقصود فيها المحلُّ الزمانيُّ، فلو عُنِيَ به المكاني، لتحلل النبي صلى الله عليه وسلم من العمرة ونحر، لأنه اعتمر بمكة، لكن لما تعلق بالزماني ترك الذبح والتحلل بسببه إلى يوم النحر، لأنه ساق الهدي.
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس: من كان معه هدي لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه. رواه البخاري ومسلم.
عن حفصة رضي الله عنها قالت:(يا رسول الله ما شأن الناس حلوا من عمرتهم ولم تحل أنت من عمرتك؟ قال إني لبدتُ رأسي، وقلدتُ هديي، فلا أحلّ حتى أنحر) رواه البخاري ومسلم.
2/هدي قتل صيد البر للمحرم لا يتعلق بيوم النحر، وإنما بالحرم، يقدمه بعده مباشرة، لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءُ مِثْلِ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ....)95/المائدة
3/التمتع أفضل من القران والإفراد، لمن استبكر مكة، لأمره صلى الله عليه وسلم به من لم يسق الهدي، ولتمنيه عدم سوق الهدي، لأنه لا يتمنى إلا الأفضل.
4/قال الإمام الخرقي رحمه الله: (ومن كان قارنا أومفردا أحببنا له أن يفسخ إذا طاف أوسعى، ويجعلها عمرة، إلا أن يكون قد ساق معه هديا فيكون على إحرامه)، يشهد له الحديثان أعلاه.
5/سر إتمام علي رضي الله عنه الذبح بعد النبي صلى الله عليه وسلم، هو إهلاله قادمًا من اليمن واشتراط كونه كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم، وسوقه الهدي، في حديث جابر المتفق عليه، لا كما يروجُ الشيعة تفضيله على سائر الصحابة رضي الله عنهم.
6/المتمتع في زماننا يُبَاعُ له وصل ثمن الهدي قبل الإحرام ولو في المدينة، أوعند الإحرام بالعمرة، فهل يعتبر ساقَ الهدي قبل الإهلال بالعمرة؟ ويكون مخالفًا هديَ النبي صلى الله عليه وسلم بالإحلال منها قبل بلوغ الهدي محلَّه؟ وإذًا فهل الواجب عليه تأجيل الشراء إلى ما قبل الحج أوبعده يومَ النحر؟
لذلك أرى اقتناء المتمتع الوصل بعد العمرة استعددا للحج، أويوم النحر ليوافق الآية، مع خشيتنا مشقةَ الزِّحام والتدافع على أماكن الشراء، أوتخصيص المسيرين للحج نقاطًا كثيرة، تجنبا للمفسدة، أوإذا رخص العلماء في تقديم الشراء استحسانا، ولا يكون فيه مخالفة للنص القرآني الواضح، والله ورسوله أعلم.
Tags:
شرعيات
