المطالعة والقراءة أهم أغذية الفكر والذهن، ترغيبيةً كانت أم ذاتيةً، تمنح العلوم والمعارف واللغات، ويعرف بها تاريخ الأمم والدول والأمراء والملوك، والمواقع الجغرافية، تثري درس التلميذ والطالب، وتخصصَ الأستاذ.
ومع تميزِ القراءة عن المطالعة بالعمق، فالمُقَدَّمُ في حجرة الدرس لا يغني عنها.
إنها ثابت يقبل التطوير والتحديث لا التغيير والإلغاء.
كثير من فرديات الأجيال القديمة نالوا ثروة لفظية ولغوية بمطالعة الجريدة والمجلة العربية والأعجمية، وصَبَرَ أهل العلم على أحجام الكتب وخطوطها، واعتكفوا يقرأونها ويدرسونها ولم يعتبروها وسيلة بحث فقط، وحفظوا المصنفات والمتون والمختصرات والشروح.
ولم يكن التأليف بالسرعة المعروفة حاليا، ولا المكوث عليه محرجًا عكس متصفحي الشبكة الرقمية.
لكن يبدو أن الآلة الرقمية هي التي صَبَرَتْ وتفوقت على الكتاب وفرضت نفسها، لتحطيم ما يبنيه المؤلفون، بالمعلومة الجاهزة السريعة، رغم أنها محشوة بما كتبوه، وكأن المقصود تعويد الأذهان عليها، وحرمانها من التمهل، فانسحبت القراءة والمطالعة الكتبية المتأنية لصالح التصفح القلق.
إن المستهدف هو التجهيل بنسب مختلفة، ويتضاعف الأمر عند أنظمة الشعوب المتخلفة، لأن الفساد المالي والسياسي لا يمكنه التفريخ في بيئة عليمة قارئة.
لقد كان متحَرَّو العلم ولو لإنجاز المذكرات العلمية يقرأون الكتب، لأنها تمنح كلَّ مفيد أثناء البحث، أما الشبكة الرقمية فتعطي المعلومة المقصودة إن كانت المواقع موثوقةً، لذلك يخرج صديق الكتاب غنيًا، وقرين النت فقيرا.
بلغ هذا التأثير حد الفزع الذهني والنفسي والمعنوي من الكتاب الكبير، خاصة إذا كان في أجزاء، إلى درجة الإعراض السريع عن أي مجلد نسلمه لضحايا الأنترنت أوالذكاء الاصطناعي، عوض شجاعةِ قراءته على مهل في مدة متوسطة أوبعيدة، وتَحَمُّلِ ضخامة حجمه وتعدد صفحاته.
قد يعذر الناس بسبب ضيق الأوقات وكثرة الانشغالات والتخلف الكبير في تحسين الخدمات لتحرير الإنسان ووقته منها ليتفرغ للقراءة، فإن الذكاء الاصطناعي كالشهوة الجارفة تنالها الأيدي والأعين ليعلم الله من يخافه بالغيب، فتستهوي مخالف الشرع والقانون، عوض التعفف عنها، لأن التحرير السريع لأي موضوع يوهم طالبه بكفايته التعب والنصب، ويخفي عنه الفرق بين المنح السريع والقراءة المتأنية.
لقد شكلت الشبكة الرقمية طبيعة نفسية رهيبة عند مرتاديها بالتشوق المضطرب أثناء التصفح، منع الاستفادة الواسعة الشاملة لحساب عبارات مختصرة تفتقد المصداقية المصدرية، والنفع اللغوي والأدبي والنحوي والمعارفي والعلمي، فزعزعت ثباتهم ولو عن قراءة مقال متوسط منشور فيها.
وسقط كثير من الناس في فخ تضييع الأوقات بتصفح الشبكة الرقمية بالهواتف الذكية لخفة وزنها وصغر حجمها، ولو داخل المركبات وقاعات الانتظار، مقارنة بمن يحمل كتابا ورقيا أوإلكترونيا يقرأه، فهذا يتغذى، وذلك يتلهى، وشتان بين المقدمتين والنتيجتين.
ربما يُوَجَّهُ اللوم والعتاب إلى التعليم الذي أُفْرِغَ من الحث على القراءة مقابل تكثيف المواد عوض التحصيل الحقيقي.
لو يعلم مُقَاطِعُ القراءة الكنوزَ التي ضيعها، لهجر تصفح الأنترنت أوقَلَّلَهُ في الحاسوب والهاتف الذكي، لضيق الأوقات المخصصة لها.
لذلك أدعو:
1/السلطة بما تملك من آليات وحكمة وتحكم إلى إعادة الاهتمامات الثقافية والعلمية والمعارفية لدى فئات الشعب إلى أصلها، بالوسائل والأساليب الكثيرة الناصحة والمرغبة، كالإعلام المقروء والمرئي والمسموع.
2/والتعليم: فبإمكان الأستاذ اقتطاع دقائق من درسه في كل مناسبة لإبهار العقول بجمال القراءة، وخطر انحناء الهامات قبالة شاشات الحواسيب والهواتف.
3/والمساجد بفضائها الواسع بين مرتاديها من مختلف الأعمار والمستويات.
4/والجمعيات الثقافية إلى تَحَمُّلِ المهمة بكل الوسائل والأساليب الممكنة.
قبل أن يتخرج لنا طلبة جامعيون يحملون الشهادات فقط دون العلوم، لتحدث كوارث تسيير قطاعات كثيرة في الدولة والمجتمع، فالوضع منذر بالخطر.
Tags:
ثقافة
