التعليم أساس حضارات الأمم، ولما تيقن النبي صلى الله عليه وسلم مقصده اشترط على كل أسير في بدر تعليم عشرة من أبناء المسلمين القراءة والكتابة لقاء إرساله.
ردع المسلمون الصليبيين أربع مرات، وتأثر كثير من غزاتهم بالفكر الإسلامي وعلومه، وأسلم منهم وانضموا إلى المدافعين عن الحياض الإسلامية، فبحث الصليبيون عن السِرِّ، فوجدوه في العلم والتعليم، فانتدبوا جمهرة من المستشرقين لدراسة علوم الإسلام بالتفصيل والتأليف للرد والتزييف، ونقلوهم إلى البلدان المسلمة للتغلغل واختلاس ما أمكن من تراثها، وبث الفكر الدخيل، وتنميق المدنية الغربية، فسفروا شبابا إلى بلدانها وأرضعوهم فكرها، وأعيدوا معلمين لتفريغ الأذهان، مَهَّدَ لتحديث الغزوات الصليبية التي نجحت إلى حد بعيد، كالغزو الفرنسي لمصر وبلدان المغرب والشام، ومن بعده الإنجليز لمصر، فتم توريد التعليم لتسهل قابلية المسلمين لثقافة الغرب وخذلان الدين والثروات، فنجس نابليون المساجد، وقتل وعذب وشرد الرافضين والمقاومين.
فظهر الفرق بين التعليم الأصلي، والمستورد، في الأساسات والبناء، وتنصيب المؤسسات التعليمية في بلاد الإسلام، وفرض التوقيت الغربي، لصياغة أجيال طَيِّعَةِ القياد.
حطم الاستعمار العلوم التقنية، وركز على العلوم الإنسانية لتحريف ما كان شاملاً للعقائد والفقه والآداب اللغوية، وما أُشرِبَ وجدانا بصحة النقل وصراحة العقل.
وظل يراقب النتائج، ويسأل عنه في الزيارات السفاراتية، وينسق للمسلمين التوأمات التعليمية، لإحكام قبضته ومنعهم من قيادة العالم.
فنشأت طوائف تنزح نحو الضفة الشمالية، مبتلعة فكرها، تجافت علاقتها بالقيم الأصلية.
وببذل الجمعيات والأحرار والمثقفين والأدباء والأقلام الأصيلة انتبه نشء كثير إلى المؤامرة المستوردة، ووجد نفسه يدرس العلوم الإنسانية بمزيج من افتراءات الغرب وحقائق العرب، ودراسة المواد العلمية مجردة عن العزو إلى السنن الربانية في الكون، وبمزيج من اللغة الأصلية والأجنبية والعامية.
فاستنكف شعوره عن تلقيها لانعدام الثقة وافتضاح الحقائق، واكتفى بها وسيلةً لاكتساب علامات الامتحانات للترقية الشهاداتية والمهنية فقط، مجرحًا صحتها وفعاليتها، كعدم تصديقه أخبار مواد التاريخ بالخصوص، وهذا ناتج جنائي استعماري خطير.
هذا النشء الجديد الذي لم يرضع من ثدي الاستعمار، تربى الكثير منه بين يدي الصحوة الإسلامية، أواحتك بأبنائها، انتبه إلى المناورة بمصطلحات مغرية كالتجديد، والمعاصرة، وثقافة العصر، وعالمية الثقافة، والثقافة العالمية، والحضارة الإنسانية، والحداثة، والتنوير، والعولمة، وسائر المبهمات المستجمعة معاني الظلام الغربي العلماني، فتضاعفت قناعته بهزالها، وعدم جدوى دراستها بجد إلا ما يحقق الماديات، ثم يرمي جُلّ المعارف في سلة النسيان بعد الامتحانات، لأنه لم يمنحها كل تفاعله.
إن الذين انحرفت نظرتهم للتجديد قديمًا، وحديثًا، وظفوه في إهانة القيم، وتمييع المقدسات، وتفريغ التعليم من حصانته، وملئه بمهلكاته، لقولبة نماذج أجيال دون تحصين، ولا استفادة من الجديد، إلا من تتلمذوا على مخلصين منتبهين إلى الواردات، قدموا لهم حسناتها، وجنبوهم سيئاتها، وحفظوا لهم الحصن الديني والعقدي والعلمي والقيمي، وهؤلاء إلى نقصانٍ مستمرٍّ، وتعويضٍ بضحايا المراحل السابقة، معدمي أوناقصي المناعة، يتيحون للاستعمار فسحة الغزو الفكري، لتطبيع العلاقة مع التفسخ والانحلال، لتيسير امتصاص الثروات، إلا ما يتفجر أحيانا من عصاميين رضعوا حكمة أجداد، وسامهم قهر المستعمر، أكسبتهم القوة المناعية، كما بدأ يلوح في الأفق الإفريقي.
لذلك أدعو الضحايا المتيقظين إلى التغذيات الراجعة، بالانكباب على مظان العلوم النافعة، بعصامية جلدة، لتقديمها غضة صحيحة لتحقيق الاكتفاء الذاتي المعرفي والعلمي.
وإلى تحديث التعليم وبرامجه وتوقيته، بما يناسب الهبة الجديدة ضد الاستعمار، واستغلال انشغاله بردِّ سرقاته في إفريقيا عن المراقبة، للزحف نحو التحرر منه، ليكون لنا تعليم أصلي يحقق لنا تطلعات استقلالنا، ويدفع عنا جنايات التعليم المستورد.
Tags:
تعليم
