تلهج ألسنة، وتخط أنامل، وتَفْجُرُ مشاعر بخواطر، مانحة إياها مكانة القطعيات غير المؤولات، بطرح أفكار جزافية،، منشورةً مع هذه الفسحة الكبيرة للتعبير من جرائد وقنوات ومواقع تواصل ولقاءات.
إنها ظاهرة مَرَضِيَّةٌ لتداخل المستويات، وصحية، لبوحها أسرارا يتحرج حاملوها من إظهارها شفاهة، فتُلقى من خلف وسائل.
يعبر البعض بمصطلحات إنسانية عن القوة النفسية الفردية والجماعية فيجمع بين المتفرقات، ويفرق بين المجتمعات.
ومنها مصطلح الموقف مطليا بصبغة القطعيات، أوصلَ كثيرا من الجماعات والأفراد والأسر والسياسيين وحتى الدول إلى حدود موصدة، التراجع عنها مربك لأن حجم الوهم أكبر من الواقع، و التراجع أقسى عدو للإنسان، والممر إلى الأمام قاتل، لأن ما يجحده جهرةً يستيقنه خفيةً.
إن الموقف في أحسن الحالات وسيلة تعبير عن التمسك بقيمة من القيم المقبولة أوالمرفوضة، أوعن ميولات ونضالات صحيحة أوخاطئة، تأييدا أوإعراضا، أواحتجاج على الإخلال بها، أوعن تصلب في مواجهة، أومناورة فقط، وليس قيمةً ولا مبدأً، ولا ساحةَ سجالٍ، ولا مستهدفَ نضالٍ.
إنه قرار لحظيٌّ بشريٌّ يحتمل الصواب والخطأ.
ترددتْ عبارته على مسمعي في أحداث سنة 1990، إشارةً من متلفظيها إلى المبدأ، دون علم ولا تمحيص، وكان لي مع بعضهم حوارات مفيدة، ومع آخرين غير ذلك.
وللأسف لا يزال في زمن التواصل المعرفي واللقاء العلمي من له قصور كبير في فهمه، يمليه على غيره تنجيما، لكن مثل هذه المسائل يجب ضبطها كي لا تستغفل العامة.
إن ما يكافح لأجله البشر هو القيم، المعالم التي يجتمع الناس عليها ويفترقون، ويتفاوتون في ترتيبها، كل حسب معتقداته وميولاته وحضارته وبيئته ومزاجه وثقافته، فما هو مقدس عند جهة فردا كانت أوأسرة أوبيئة أودولة قد يكون مهانا عند أخرى، وما يقدم هنا قد يؤخر هناك، وقد تستمد من المبادئ وتلائمها، أوتعاكسها، لأن مبادئ الزمان تمتاز بالرسوخ، لأنها سنن ربانية في الكون، فالعقيدة، والنفس، والعقل، والعِرْضُ، والعلم، والعمل، والطاعة، والأخلاق، وتدافع الحق والباطل، والإنسانية، والوقت، والوعد، والوفاء، والشجاعة، وغيرها، مبادئ وقوانين كونية من حادَّ طريقها صدمته ورمته في قمامة الزمن.
والسعيد منهم من يشعر بارتباطها وانضباطها إن تطابقت مع قواعد الكون، وافق غيره أم لم يوافقهم، يملك منهج حياة مؤسس عليها يرتبها حسب قناعاته،، هذه هي الثوابت في حياة الإنسان.
ليس بالضرورة أن تكون القيمة مبدأً، فالغناء، والرياضة، والجنس، واللهو، قيم عند أهلها، والناس يختلفون في الاهتمام بها، وفي سُلَّمِ أَوْلَوِيَّاتِهَا، لكن ليست من السنن والمبادئ.
أما المواقف فهي أدوات لا غايات، وصياغات نفسية تُسْبَقُ بخلاف أوتعاطف، وإذا سئل من لا يفقهها صورها مبادىء، لا يستطيع تفسيرها لو طلب منه.
المواقف السليمة تصدر عن قوة شخصية متمسكة بقيمها، والعليلة عن هيجان، أوتهور، أومشاكسة، أوتشهٍّ، أوأهواءٍ، تسيطر عليها الأمزجة فقط.
المواقف ليست مستقرة، تغيرها الظروف والأحوال، وهي تدور مع الوقائع والأحكام البشرية تفهمًا، أوجبنًا، وجودا وعدما.
إنها أحكام بمستندات ظنية آيلة للزوال بأمارات أرجح.
إن من ينزل المواقف منزلة الشهامة، ويهين المتراجع عنها، جاهل بحقيقتها.
حتى إذا أريد إحماءُ سطوةٍ قيل: "فلان ذو مواقف".
فالغضب والتدابر موقف، وهو منبوذ، وإذا زال بالعفو، مُدِحَ صاحبه ولا يُزْدَرَى، لأن القيمة أرجح منه، أوبشكر المتفهم، فلا يُقْبَلُ رمي الشاكر بالميل.
المواقف ليست محلَّ نضالِ الشرفاء، لأنها متحولات وليست محكمات، فإن لم تفِ بمقصودها بطل اعتبارها.
لا تقاس بها الهيبة، والمصداقية، ومصطلحات العزة والكرامة والإباء.
فلندقق المصطلحات، ولنمحِّصْ المعايير، ليقود الأمة فقهاء في وسائلها وغاياتها ومصائرها.
Tags:
فكر
