كان التصرف مع العقائد والأنفس والأعراض والأموال بعفوية فردية، وفوضى أسرية، وأعراف اجتماعية، يفرضها المتغلبون من الأعيان المسيطرون على الأحياء والقرى والبوادي، تدور مع شهوات الأهواء، دون مراعاة أغلبية ولا أقلية، وكانت مراسيم الإمبراطوريات الرومانية والفارسية والحبشية تفرضُ برغبات وسطوات وأمزجة الملوك.
فجاء الإسلام مراعيا مصالح العباد جلبًا للمنفعة ودرءً المفسدة، وتنظيمًا للحياة، وتنسيقًا للسلوكات الأحادية والجماعية مع التعليمات السلطوية بأحكامه وقواعده المختلفة.
لكن تغيَّر واقع كثير من الحكومات والرعية، فالحكم الشرعي الآن لا يحتضن إلزاميتَه تنظيمٌ، ولا قوة قضائية، والقرار القانوني لا تمحصه فتوى رسمية بالإقرار أوالنسخ.
ولم يُلزِمْ علماؤُنا النُّظمَ والناسَ بمجامع فقهية علمية تشريعية مستقلة، لتكسب طاعة ولي الأمر الحجَّة، خارج الأمزجة النمطية، والمجالات الضيقة، وليكون الخروج عن القواعد والتشريع معصية معتبرة.
وليتم تقييد مجال طاعة الحاكم بحرية وشجاعة أدبية، وخضوع حكومي لسيادة الشرعِ بنشاطٍ وإنتاجٍ وعلمٍ، دون تنويم كسابق عهد الكنيسة المسيحية قبل الثورة عليها، والتي ساهمت بعدُ في الاعتراف الديني بقرارات حكوماتية علمانية.
فقصور الاهتمام الموضوعي والمنهجي لدى الأنظمة ومصادر الفتوى مبرر ديني خطير للعلمانية في بلاد الإسلام.
وهو ذريعة الإعراض عن الإسلام لاتهامه بالركون إلى العصب الحاكمة.
وهو سبيل التطرف احتجاجا على تهميشه، فيُصبح التشريع للشوارع عوض العلمِ، لانعدام الثقة في المؤسسات الفقهية، واتهامها، بالتفريط في دينها.
لقد بقي الصوت التشريعي حبيس تحديد مواعيد أهلة الصيام والإفطار والحج وعرفة والأضحى وعقود الزواج والخطاب المسجدي النمطي، بدل فتح أعين الشعوب ورعاتها على كل المجالات.
إن المغالاة في الأضاحي هذه السنة، وبيع قطع نقدية بمثلها جنسًا أضعافا للتحويل المعدني تستعجل تكييف الفتوى، وإلزام المقررين والفاعلين بالحكم الشرعي المتوصل إليه.
في كل بلاد المسلمين هيئات كبار العلماء، والمجالس الإسلامية، أوالعلمية، أومفتي الجمهورية، لكن تهورات الأهواء تمر فوقها كالجسر ضامنة عدم الاستقصاء، ولا نسمع منها إنكارا لتجاوز حقها التشريعي، ونتائج مؤتمراتها كتوصيات فقط حبرا على ورق خير دليل على ذلك.
ورثنا فتاوى مبثوثة في المصنفات والشروح والحواشي والمجاميع، دون استخلاصات منقحة يخضع لها الواقع اليومي.
أريد للاجتهاد الإسلامي تسطير منظومة تشريعية ضخمة ينقاد لها الجميع، دون تبرير إفتائي رسمي لإجراءات السُّلَطِ.
أريد للفتوى موطىء قدم راسخ يُعَايِشُ اليوميات بحضور مستمر في
كل مجالات الحياة، الفردية والأسرية والاجتماعية والسياسية، من هامة الدولة إلى أخمص قدمٍ فيها، مما يقترحه القانون فَتُرَسِّمُهُ الفتوى الشرعية أوترفضه.
أريد لعلمائنا التكفل بالاجتهاد في كل سلوك، كي لا ينفصم المجتمع وولاة أمره كما حدث في الثمانينيات باختلاف الوصاية والمجتمع حول اعتماد الحساب أوالهلال للصيام والإفطار، فسلطت الفتوى سوطها بوجوب القضاء والكفارة على المخالفين عوض أمر الحكومات بالرؤية الشرعية.
أريد أن تكون للفتوى في ضمائر المسلمين خطوط حمراء يأتمر بها الحاكم، لا كما تجاوزها تعيين الدكتور محمد العيسي خطيبا على المسلمين يوم عرفة عام 1443هـ، دون استشارة هيئة كبار العلماء، وهو المعروف بانخراطه في الخنوع لغير المسلمين والتدرج نحو التطبيع.
جملة (إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن) تصب في اتساق الإفتاء والجهاز الوضعي السلطوي، ودليله صدورها من خليفة إسلامي.
إن المسلمين جُبِلُوا على الخضوع طواعية للتشريع بحكم التعبئة الروحية لمعاني الثواب والعقاب ومآلاتهما الأخروية.
فإذا انسجم التشريع والسلطان تأكَّد الانصياع والتنفيذ، وحلَّتْ الثقة، واشتغلت الأمم بالسير نحو البناء.
لكن لن يتأتى ذلك إلا بنهضة علمية، ومنظومة شرعية مستقلة شجاعة متكاملة تعالج الواقع في كل ميادينه، لضبط يوميات الشعوب والحكومات المسلمة.
Tags:
إسلاميات
