وقفات أمام قصر الأمير

في استراحة من تصحيح أوراق البكالوريا، تناولت كتاب (ممو زين) للشاعر الكردي أحمد خان الذي ترجمه الدكتور البوطي رحمه الله، سرد فيه وقائع حقيقية في قصر بجزيرة بوتان في كردستان العراق، زاد القرَّاء تشويقا أسلوبٌ أدبيٌّ أخَّاذٌ بتلابيب الأذهان، عن ارتباط بين (ممو) والأميرة (زين)، حالت البطانة السيئة للأمير دون استكماله، أردتُ استلهام عبرها، على عادة المؤلف وكتابه السيرة النبوية، بأهم الوقفات الآتية:

1/ من تجاهلَ الشرع في العلاقات الإنسانية سيعذب أحاسيسه قبل المؤاخذة الربانية، فالارتباط كان خارج أحكام مراحل الزواج وأدى إلى عذاب العشيقين فموتهما دون المرام.
2/ مثل تلك الأحداث تنشأ غالبا في بيئات البذخ والترف وقصور الحكام.
3/ المناسبات الحاشرة للجنسين لا تؤمن، فالشرارة الأولى تلظَّتْ في الاحتفال بعيد الربيع (النيروز)، وكذلك الأسواق اليومية والأسبوعية، والاحتفالات الشعبية الموسمية المخترقة بمظاهر شرك.
4/ العجوز هيلانة تربط بين ممو مع صديقه تاج الدين بالشقيقتين زين وستي دون عناء النصح بترك الأمور لخطوات الشرع مع أن البيئة الكردية مسلمة سنية.
5/ لا يستوي أمر السلطان بالبطانة السيئة المتفننة في حبك الحيل وتحديثها لتنفيذ الخطط الخسيسة، لقد أوقع الحاجب بكر بين الأمير وحاشيته، بتسويد وجه ممو، وصديقه تاج الدين إلى التسبب في موتهما بالإصرار على منع زواجهما.
إن كثيرا من سلطنا اليوم للأسف تصغي لمن يحرص على تغليب النفع الذاتي، بالإثم العام، وتدمير الأمة، بحجة الحاجة إليه في قضاء مصالح، وكأن الدنيا خلتْ من المخلصين.
وليعد إلى القصة كل متشوق إليها ليرى الكم الهائل من حيل الحاجب الماكر بكر.
6/ وافق الأمير على تزويج شقيقته ستي من تاج الدين على أساس القرابة من القصر، عكس طلب زواج ممو من زين، لبعده عنه، والعدل في الزواج تأسيسه على الأخلاق والاستقامة.
7/ لذَّة الدنيا فانية مؤقتة، فالأمير يخرج إلى الصيد مع الحواشي والخدم والحشم، ويخلو القصر للقاء قصير بين العشيقين كاد يجلب موتهما عند عودة الأمير، لولا حيلة الوفاء.
8/ ربَّ أخٍ لم تلده أمُّك، فتاج الدين الوفيِّ أضرم النار في جناح من القصر، لصرف الأمير عن الاستراحة من الصيد، ليفر العشيقان بعد توجهه لتفقد الحريق.
9/ من مصادر ظلم الحكام فتن محيط مشير سيء، فالأمير يستبد بحبس ممو لما علم بالعلاقة بين شقيقته وممو، إثر مكيدة لعبة الشطرنج.
10/ لا نشرع للارتباط قبل زواج صحيح، لكن السداد يقضي بالخضوع للأمر الواقع وتزويج هؤلاء إن قُطِعَ بالصلاح بينهما حينا وآجلا دفعا لمفاسد أكبر.
11/ المؤمن يدع الخطيئة وهو يقوى عليها، فالفحولة تقضي بتسريعها قبل العجز، لكن العودة إلى الله تمسكا بخيط العفو، وواسع الرحمة أفضل، فقد قنط ممو وزين أخيرا من نشوة الدنيا إلى حقيقة نعيم الآخرة.
12/ إن الثورات لا تقضي على الظلم بعهود موهومة، لكن الأمير أخمد ثورة القوم لإخراج ممو من السجن بوعود كاذبة، والاحتلال الغاشم طلب من جيش التحرير توقيف الحرب أثناء المفاوضات، لكن ما انطلت الحيلة على قياداته.
13/ مآل البطانة السيئة الاستئصال من الحياة ضمانا لدوام السلطان في مأمن من الفتن وظلم الرعية بدسائسها، إلا أن كثيرا من أفرادها يُتَخَلَّصُ منهم أويموتون بعد ضياع الوقت وانهيار العروش، فتاج الدين قتل الحاجب عند اقتراب نهاية حياة زين وممو ضحيتيْ خبثه.
14/ العواقب تعاقب في الدنيا قبل الآخرة، إذ كان المصير نبات الأشواك على قبر الحاجب، ونبات الورود على قبريْ ممو وزين إلى هذا اليوم.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم