الحياة تحلو بالتوافق المادي والروحي، والظاهري والباطني، والفردي والجماعي، والشعبي والسلطوي، فتُؤْمَنُ الفتنة، ويُتَعَطَّرُ بالطُّهر، ويُسبك الحُسن، ويجفو القبيح، وتعلو الجودة، وتذل القذارة.
لكنَّ قومًا أردوها وألبسوا عليها بشاعة، وخلاعة، وصدأً، حتى ابتلي المجتمع بحاملي شهادات الرداءة في الاعتقاد والذهنيات والسلوكيات، غارقين في أعماق أوحال الردى.
ابتلي بمن يقبلون الصواب، والقانون، والشرع، والقيم، والمبادئ، لهم، لا عليهم،،، قال لي أحد مناصري نادٍ كروي جزائري: كثير من محيطه يحبون الفريق عندما يسيرونه لأنه يجلب لهم منافع المادة والمال والشخصية والشهرة والعلاقات، ويكرهونه عندما يغيبون عن تسييره، لأن الإزاحة تفقرهم وتطمس الأنظار عنهم.
وابتلي بمن يمقتون الصواب وأهله، ويألفون طينات الخطأ، ويبررون له، يراقبون الزلات ويقعون في أخرى، يشنعون على المرتشي ويأكلون الربا، يعافون الرجس ويقتاتون على الغش، يُسَوِّقون للمؤهلات ويتسلقون بالمحاباة، يرغبون في نظافة الشارع ويلطخون العِلْمَ، يبذلون في التدريس والتعليم ثم يخذلونه بتضامن مع الفاشلين، يزدرون عُوَّقَ المبادئ ويترنحون مع ذوي الجاه والسلطان، يعملون في مواقع صيانة الحق ويتوسلون تأهيل البعض دونه، ينتقدون البخل وأيديهم مغلولة إلى الأعناق عن العطاء،، يخطبون عن النصيحة ويرفضونها بشدة، يصرخون ضد الاستبداد وهو منهجهم بعد تسلطهم، يؤسسون لحفظ الحقوق ويتهافتون على المراكز دون مطابقة، يرافعون عن القوة والأمانة فإذا لاح بصيص من خوخة الرتب هرولوا إليها غير لاوين عليهما، يبغضون إجراءات السلط المتجبرة المستبدة الفاسدة ومكاتبهم تعج بالعفن الإداري والتسويف الورقي، إنها رداءة تحكي عن الرداءة.
إن الرداءة تدفع إلى التباهي بالقيم إذا جلبت نفعا، أما إذا قطعت مفسدة فمكروهة تحريمًا.
تحشو ذهن المتخلفين ثقافيا وعلميا وأخلاقيا بوحيِ شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا.
تتلبس بالمنطق والصرامة والاستقامة صوابًا أوخطأ، لكنها تلتحف الانحراف والعاطفة والحنان والمعية بتأويلات مزعجة معوجة خاطئة مفضوحة.
العلم عندها مجيد ومعيارٌ للتفاضل إذا طاوعَ العلامةََ، ومُحَطَّمٌ عليه ميزان التمايز، ومُهَانٌ إذا منعها.
تضع صاحبها في حيرة بين مفصليْ الحق والباطل، فيستحر به وخز الضمير، ويحرمه راحة النفس، فيحترق فؤاده شوقا إليها.
إنها نذالة وخسة، تعتلُّ بها النفوس الهزيلة.
إن رداءة خط تلميذ، أودراسته، قد يذهبها التدريب، أما رداءة الفكر فمعصية شبهة مصحوبة بدليل مغشوش يوهم الصواب، فيصعب انقشاره منه.
لأنه فكر بلا أخلاق، ولا قيم، ولا إنسانية، ولا وقار، ولا حكمة.
إن التفكير الرديء متعفن، قالب للموازين.
ترعوي للأخلاق إذا فلتَ عنها فحشها، وإذا تيقظت له نفرت منها.
وقديما قال قوم صالح عندما دعاهم إلى التوحيد وترك الشرك (.... يَصَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا...) سورة هود 62.
يحيرني من يشيد بالعلم وصرامة نتائجه، ويبذل الوسع في تعليم ولده، لينال الدرجات العلا، ويقودَ مواكب المجازين، باقتدار وافتخار، فإذا نال منه القدر ألهب نار اللغط لانتقاله يبغي ليَّ أعناق العلامات، ناسيا أيام ترسيخ قيم المثل والاجتهاد والنيل الشريف.
إنها فطريات عفنة في مياه راكدة آسنة لغياب كمون القيم والمبادئ في قلوب الناس قبل أجسادهم، وبصائرهم قبل أبصارهم.
لن يزيحها تجديد اقتصادي أورياضي أوسياسي أوإداري أومالي أوتجاري أوثقافي أوانتخابي أوغيرها، إنما يقضي على لوثتها تكريس الأخلاق بكم دسم متواصل دائم حتى عند أصحابها ولو من باب التذكير والصيانة الدورية.
لن يميط أذاها إلا صرامة في تحمُّلِ الفرد والأسرة والمجتمع دينا واعتقادا واضحا بينا يتناغم مع المثل العليا المطهرة للواقع الإنساني من التلوث السلوكي والغبش الفكري، ودون ذلك تبقى الرداءة تحكي الرداءة.
Tags:
مجتمع
