نسمع مبالغات في الحث على الالتزام بتشريعات الإسلام من الشعائر والأعمال التعبدية الأخرى، فتأتي على مقصدها بالهدم في زلل لسقم الفهم، وخللِ الإدراك، وضبابية الفقه، وإذهاب طاعةٍ بتركِ أخرى.
إن الأعمال وآثارها من ذنوب وأجور تتفاوت.
والمؤمن بين طرفيْ حبل، الحق والباطل، الصواب والخطأ، الطاعة والمعصية.
فإن جُذِبَ من الطرف السيء أخذنا على يده، وإن كان من الطرف الحسن دفعناه إليه.
والأجور دواعٍ على أبواب الجنة، والذنوب دواعٍ على أبواب جهنم.
الأعمال مع الشرك مردودة بدليل قوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن
يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ
فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا(48)} سورة النساء.
لكن لم نرَ نصوصا منعت المسلم ثواب طاعةٍ بترك أخرى ليست من أركانها، إلا أن تدلَّ
على الفضل والتحريض واستجماع عناصر الخير بتطابق الطاعات امتثالا لا تركا.
ولم نرَ نصوصا تضارُّ المؤمن، باشتراط اكتمال جميع الطاعات المختلفة.
أما غيرها بدون الشرك فالعمل بأجره، والترك بإثمه.
إن القول بحرمان نفع الصلاة لتركِ غيرها التباس جسيم يُؤَيِّسُ من رحمة الله.
جاء رجلٌ عامَ الوفود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع ما عليه في الإسلام
من أركان ثم قال "والله لا أَزيد على هذا، ولا أنقص"، قال رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم: ((أَفْلحَ إنْ صَدَق)). أخرجه البخاري،، ولم يحرمه أجره بترك
طاعات أخرى.
نريد من أنفسنا جميعا الالتزام بكل مفروض ومندوب، لكن القول بإحباط الطاعات مع ترك
أخرى تهكم على ما استأثر الله به، ولعمري إنه لمن مزاحمة الله في حق التشريع.
مَثَلُ ما نحن فيه كَمَثَلِ امرأة تحرمُ من أجر صلاتها لتركها الحجاب، فقد يُتَوَسَّلُ
إلى إثارة زوجها المرتاد للمسجد عليها، ثم افتراقهما، أوتوديعها الصلاة بفتوى
عليلة تحرمها نفعها، وما ندري لعلها تحب الله ورسوله؟
عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، أَنَّ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ، وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا، وَكَانَ
يُضْحِكُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ، فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ
بِهِ فَجُلِدَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: اللَّهُمَّ العَنْهُ، مَا أَكْثَرَ مَا
يُؤْتَى بِهِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ تَلْعَنُوهُ،
فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» رواه البخاري.
والرفث يخالف سمتَ الصائم إيمانيا وروحيا، لكن لا يفسد صيامه، لأنه ليس من أركانه.
فينبغي التمييز بين تمام الطاعات وثوابها، والترك وذنوبه.
إثم التهاون لا يسلب ثواب الجِدِّ والحفاظ على الأوقات.
قد تزاحم المعاصي الطاعاتِ، والآثامُ الأجورَ، لكن لا تقضي عليها، ويبقى الميزان
معيارا بالثقل والخفة، يرجح بالحسنات، أوبالسيئات، دون تأييس من رحمة الله،
أوالزعم على الحساب يوم القيامة.
لا ندري لعل الله يرفع مؤدي الصلاة إلى مقام محمود فيتم التزامه بمتروكات سابقة.
إن الداعية والخطيب مكلف بإضافة رحمةٍ بطاعةٍ لا بطرد رحمةٍ بتركٍ، وحسنة إلى
حسنة، لا محو حسنةٍ بتأخر أخرى.
وإمداد الرصيد الإسلامي دون معسكر العلمانية والكفر.
لسنا أعدل من الله مع العباد، الذي أعطى على الحسنة عشر أمثالها، وعلى السيئة
مثلها فقط، ولم يحرم العبد حسنته بسببها.
على المتصدي والمتصدر لهذه المعاني التحلي بالذكاء والعلم والفقه والفهم العميق لمقاصد
الشرع الحكيم، مبلورًا ما في ذهنه أثناء الإرشاد، لئلا يأتي على بنيان دعوتنا من
حولها، ويخر علينا السقف من فوقنا، ويأتينا العذاب من حيث لا نشعر.
Tags:
شرعيات
