تحدث معارك اجتماعية،
ومشاكسات عائلية، وصدامات جوارية على التركات والأموال والعقارات ووسائل العيش،
خاصة في البيئة التي تتسع لتأجيجها، وتبقى منقوشة في الذاكرة كالنحت على الحجر،
ولا تأْفُلُ في ظلام النسيان، ومن عجائب الزمان رجاحة عقول بعض الصغار وانتباهها إلى
دقائق خفية من آثار الماضي في الحاضر، وتبرز استنباءات محرجة للكبار تتبعا لفعلها
السالف، وأثرها الآيِبِ، وبنائها المستقبل على قواعدها.
زار ابن صغير رفقة
والديْه القرية يوما، ورأى ما بجده من سعة الرزق، وبسطة العيش، فأراد أن يستعلم
منه أسباب ما وصل إليه، وجرى بينهما الحوار الآتي:
الحفيد: جدي، هل لك أن
تنبئني كيف جمعت هذه الثروة المالية، وشيَّدتَ هذا البيت الواسع، وهذه الأرض
الطيبة الشاسعة المثمرة الخصبة المزروعة؟ وربيت أولادك فأنجبوا لك هؤلاء الأحفاد
المحيطين بك بخدمهم وحشمهم؟، ومن أين لك هذه السيارات والشاحنات والجرارات
الفلاحية والجرافات الصناعية، والحوانيت والخانات وخزَّانات المياه، وخموم الدجاج
وإسطبلات البقر والغنم المدرة لحما ولبنا؟
الجد: انتبه يا حفيدي
العزيز،، كل ما تراه لم أرزقه باعتباطٍ، أوبنفخة ساحرٍ، أوبعطية واهبِ، أوبصدقة
متبرع، إنما ورثته عن والدي الذي كابد الزمن والناس والتراب، استولى جارٌ له على
أرضنا وضربه مراتٍ كثيرةً لصرفه عنها، كان يخرج من بعضها مجروحا، ومن بعضها
مكسورا، ومن بعضها سليم الجسد عليل النفس من الذل والإهانة والقهر، كلما نهض من
الكبوة أرداه الجار المتغطرس بغيره هاويا على ترابه، تكررت الكبوات والسقطات ثم
النهضات واليقظات، مع الصبر على المشقات دون يأس ولا كلل ولا ملل، إلى أن أصابَ
الجارَ نصبٌ وتعبٌ ويأسٌ من دوامِ البغي والظلم والاستخفاف والاستيلاب، ومن جَلَدِ
والدي وحِدَّةِ شكيمته، وعظمة إصراره على طلبه حقَّه، فقويت شوكته واستعاد أملاكه
ووضع يده عليها، وحررها، لكنَّ الأجل عاجله ولم يتمتع بما بذل المهج لأجله، وأنا
اليوم أشرف على رعاية التركة وصيانتها.
وهما يدخلان غرفة من
البيت الشاسع رأى سيفا قديما نخرَ الصدأُ جُلَّهُ، وعصا لا تقوى على التوكؤ
ملصقيْن بجدار.
فقال الحفيد: لكن يا
جدي، ماذا يفعل السيف والعصا هنا؟
الجد: أتذكر بهما ماضي
والدي، ولأُريَ أسرتي وورثتي شظف العيش، وأحدق بصائرهم إلى تسخير الله له، وتسببه
في هذه الفسحة، ويلهمانهم الاستعداد الدائم للذود عن الحياض العائلية، والهيبة
العشائرية، واللحمة الأسرية.
الحفيد: لكنني يا جدي
رأيتُ منك غلظةَ تعاملٍ مع الأولاد والأحفاد، وعصاك أغلظ من عصا والدك وسيفك أمضى
من سيفه، ولو استطعت لمنعتَ عنهم الماء والهواء.
الجد: إنَّ تصدي والدي
لظلم جاره ارتسم في ذهني، ولازم خيالي، ونغَّص عليَّ كثيرا من إغفاءاتي، وورثتُ
تطبُّعًا غلب طَبعِي لأهيب الجانب في أسرتي فلا يسطونَّ أحد منهم عليه، ولا
يُنَازِعُنَّنِي فيه، فأكِزَ بصرامتي من تينع ناصيته، ولي فيها مآرب أخرى.
الحفيد: ألم يكن أحرى بك
وأرعى أن تعبر من الظلم إلى العطف على أسرتك وعشيرتك ليدوم ظلك تاجَ رؤوسهم؟
الجد: إن ما افْتُكَّ
بالمهج، واستُرِدَّ بالسواعد، وأخذ بالجهد لا يحفظ إلا بالغلظة وإلا ذبلت اليد
التي تمسكه.
الحفيد: فكيف تُوَفِّقُ
لهم بين ماضي والدك الأشمِّ، وحاضرك القاسي؟
الجد: بالحكاية عن شجاعة
جدهم.
أفصح الحفيد متأوها من
أعماق الأسى:
عصاك الغليظة وسيفك
الحاد حاضرٌ أشدُّ من ماضيك،،، وحكايةُ ماضٍ جميلٍ غطاءُ حاضرٍ سيء، وسرد السالف
استعطافٌ دَهِيٌّ،،، ماضٍ مجيد لحاضرٍ وضيع.
أطرق الجد متمتما: ما
أخفيته دهرا فُضِحَ يومًا، مالِ هذه الحياة لا تغادر شاردة ولا واردة إلا رمقتها،
ووجدنا ماضينا في حاضرنا؟
Tags:
فكر
