تتوالى الأفعال وردودها، ويعالج خطأ الأفعال بخطأ الردود، دون اعتدال، فيسوء الميدان والفكر، وما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه.
تنفقِعُ أحيانا انتفاخات وهمية لا حدث لها في واقع البشر، كتكرار النداء الإنساني،
وتوحيد الأديان، وهذه الأيام يجتهد التلفيق في استحداث ما سمِّيَ الدين
الإبراهيمي، وغيرها من مستطرفات الإنس والجن.
فينبري بعض المنافحين عن دين الله تعالى بغير وعي عميق لمسائل الرد على الفقاعات
العفنة، ويتقول قوم في الولاء والبراء، والعلاقة بغير المسلمين، وبعضهم إذا طرق
الموضوع اختلط عليه المتقدم بالمتأخر، والفاضل بالحقير، والأصول بالفروع، وشَتَّتَّ على الناس ما قصد الاحتياط له.
الولاء عندنا لله ورسوله والمؤمنين أمر محسوم {لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ
الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ
فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً
وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ(28)} سورة آل عمران.
والبراءة من الكافرين قطعي {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي
إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ
مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا
بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا
بِاللَّهِ وَحْدَهُ....(04)} من سورة الممتحنة.
أرجع البعض ضعف الإيمان إلى اختلاطنا بهم، وعلق تقويته بهجرانهم، عوض السبب الذاتي
كهجران القرآن ومراجعاته.
غير المسلمين ليسوا فئة واحدة، فمنهم المسالم، والمعاهد، والمستأمن، والذي في
جوارنا، والمحارب الماكر، وأحكامهم مبثوثة في النصوص وفقهها، وقواعدها، كقوله
تعالى{لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ
وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين (08)} سورة الممتحنة.
ليسهل ما يجب استهدافه وهو دعوتهم ولو بالتدرج الزمني، وسبيله العلاقة بهم.
والإسلام يستفيد من التجارب البشرية الناجحة، ومنها ما يصدر عنهم في إطار المنافع
المتبادلة، تجارة، وصناعة، وغيرهما، لدعوتهم بأخلاقنا معهم، واحتكاكنا بهم.
العقم الفكري عند البعض يجمع بين المتفرقات، ويفرق بين المجتمعات.
على العقل التمييز بين الثبات العقدي الذي لا يعني الانعزال عنهم، والتصدي لتحرير
الإنسانية من ربقة الضلال، بين ضرورة التأثير وخطر التأثر، بين استئثارنا بأخلاقنا
وتقليدهم، بين قيمنا وقيمهم، مما لا يسلبنا حريتنا.
إن التحصن بالزاد الفكري والعقدي والعلمي هو الواقي من المحذور.
والحفاظ على حق الأمة في الاختلاف العقدي والفكري والأخلاقي يحفظ من الذوبان،
كمن يلقى في البحر وهو يحسن السباحة، أما من لا يحسنها فلا يلومنَّ إلا نفسه إن
غامر بالارتماء في أغواره.
وإلا فلينأَ أحدنا عما هو أكبر لئلا يُشنِّعَ
نضارة الإسلام.
إن الولاء والبراء لا يقتضي تحريم المعاشرة، بل يعني الثبات عليهما مهما كان
الاحتكاك بهم اجتماعيا ومهنيا وسياسيا.
لقد أدى سوء فهمهما إلى براءة المسلم حتى من أخيه عند الاختلاف في مسائل فرعية غير
عقدية، والوقوع في شرك جديد بالنفس والسياسة والحزب والعشيرة وغيرها، رغم التوعية بمظاهره
الواضحة والحرب عليها.
عدم اختلاطنا في الجزائر بطوائف أخرى أغفلنا عن تعلم موقف الإسلام من أساليب
التعامل معها، لأننا في غير حاجة ضرورية إليها، والبيان يجب وقت الحاجة، فلم يُفَعَّلْ
قبلها.
لكن لو كان لنا واقع مثل العراق وسوريا ولبنان والأردن ومصر وتونس والمغرب، ولنا
أقارب وجيران على غير ملتنا وشعرنا بالحاجة إلى الاحتكاك، لندبنا أنفسنا إلحاحًا
لتعلم أحكام التعامل معهم.
ولأن الحاجة أم الطلب، فلم تجدنا مجبرين عليه، فلنحمد الله على وضعنا، ولنعِ
المسألة جيدا قبل التصدي والتصدر لها، ولنراجع اعتقاداتنا بين تطرف يخلطها بغيرها،
وتسيِّبٍ يميِّعُ أصولها.
Tags:
إسلاميات
