البعد الإنساني للدين الإسلامي

بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم ونادى في الناس عامة، وأرسله إليهم كافَّة، وذكر الإنسان بهذه المفردة في القرآن كثيرا.
إن قيمة الإنسانية في الإسلام هي التدين، بل إن غايته معرفة قدرها في نظر الإسلام.
فصان البعد الإنساني العقول بمنحها اختيار المعتقد وبذل وسع دعوتها. لقد قرأ النبي صلى الله عليه وسلم على أبي الوليد عتبة بن ربيعة شيئا من سورة فصلت وهو يغريه بزخارف الدنيا ولم يجبره.
وهو محور إجابة ربعي بن عامر لرستم قائد الفرس (لقد ابتعثنا اللهُ لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة).
ولذلك تحالف النبي صلى الله عليه وسلم مع غير المسلمين إنسانيا، كالمعاهدات مع اليهود والنصارى وصلح الحديبية، ومكة بسبب حليفه بني خزاعة.
ولقد شرَّع الإسلام البر والقسط مع غير المسلمين المسالمين، وحرَّم قتل الشيوخ والنساء والأطفال.
إن نصوص الوحيين حبلى بالمعاني الإنسانية لمقصد الإسلام من البعثة.
فمن أراد التحرر فعليه التدين بالإسلام ليحرر إنسانيته.
واستخلاصا مما سبق يؤسفني تناول الغوغاء الترحم من عدمه على المغتالة شيرين أبوعاقلة التي ضحَّت لتصل هؤلاء الجهلة بالدين ومقاصده وحكمته البالغة الأخبارُ داخل خطوط النار.
ماذا لو تأسفنا، أوحَزِنَّا على الأقلّ؟، وقد حزن النبي صلى الله عليه وسلم على موت عمه أبي طالب الحامي له، كما ساندت شيرين قضيتنا.
إن فهم بعض المسلمين للبعد الإنساني مدَّ جسورهم مع الدول الملجئة وجعلها تحتفل معهم في المناسبات المختلفة كالأعياد ورمضان.
إنه يؤجل الصراع العدواني، إلى أن تقوى الشوكة لتحُلَّ الرحمة الإنسانية عند المقدرة، فلا تُحرَقَ البيوت حينذاك، ولا يُقتل الأطفال، ولا يهَجَّرُ الناس، ولا يؤتى على الأخضر واليابس من الحرث والزرع والنسل.
إن موازين القوى تغيرت بسبب ضعفٍ أوقع في محلِّ الذِّمِّيَّة، فليؤجل الصراع إلى حين الاستقواء لخوض الميدان بالأخلاق، فيندم غيرنا على سوابقهم ويوقنوا هتكهم قيم إنسانية ادَّعَوْهَا.
إن تعلق الأمر بالولاء والبراء، فلا يعني منع مواساة المسالمين والتعاطف معهم في مصائبهم، ليكون دعوة عملية لهم.
وإن كان ولابد فبالعبارات النائية عن الإهانة، المحافظة على الانفصال العقدي الباطني.
إن الفهم الواسع والسليم والمقاصدي للبعد الإنساني للدين الإسلامي يفرض الشفقة على الفلسطينيين عموما وعائلة شيرين أبو عاقلة خصوصا في بلواهم، والاشتراك في توجيه السهام نحو العدو.
ومن أراد إثراء معارفه فلينظر إلى التعايش الإنساني بين المسلمين وغيرهم في مصر، والأردن، وسوريا، ولبنان، والعراق.
ولنترك المسألة لأهل العلم العاملين المصلحين المجتهدين، وليمسك الرعاع ممن تحلَّوْا بالزي المظهري ووريقات ومطويات، دون عمق علمي.
ولنبدأ بالإنكار على من يتولى التطبيع مع العدو نيابة عن المسلمين بغير حق.
إن تأجيج الصراع بين الفلسطينيين مذهبيا مؤازرة للمحتل، فلنقوِّ بينهم الأحلاف لحسن الجوار وكف الأذى، والتعاون على البر والتقوى، ومنه صدُّ عدو مشترك.
ولو نظرنا إلى الآية 02 من سورة المائدة لوجدناها آمرة به بين الكل مسلمين وغيرهم.
القول بوجوب صون قيم الإيمان من الإضعاف حقٌّ، ومضاعفة جهود الدعوة إليه واجب، لكن النظرة الضيقة دليل اختناق أفق دون تفتح يعرض الإسلام لغيره.
تطفو طفيليات في المناسبات الأليمة فقط، دون دعوة إلى دين حنيف رائع، بتحمل مَشَقَّاتٍ أوصى بها لقمان الحكيم ابنه وهو يعظه (يَبُنَىَّ أَقِمِ الصَّلَوةَ وَأْمُرْ بالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) سورة لقمان الآية 17.
فلتفضح جرائم الاحتلال الغاشم في ديارنا وقدسنا، ولتسحب المسألة إلى اندمال الجرح في مرحلة طبيعية، لتؤخذ بالشرح والتخريج الفقهي في راحة علمية معنوية، أما والجراح مثخنة، والعواطف هائجة، والغضبات ثائرة، فلن يكون منه نفع، بل يطغى عليه القيل والقال والحنق أكثر من الموضوعية العلمية.
إن على المسلم تمديد الآفاق، وتوسيع المدارك بضوابط الشرع، وتحطيم أغلال النظر السريع دون مآلات تذكر.
لقد آلم الواعين من المسلمين اغتيالُ شيرين لأمرين على الأقل:
1/ انتهاك القيم الإنسانية في مهنة الصحافي الناقل لأخبار الكيد العدواني.
2/ طعنة أخرى موجعة في صدر الشعب الفلسطيني.
ولا يسعنا إلا أن نبعث برسالة التصبُّرِ إلى الفلسطينيين عموما وعائلة المغتالة غدرا فإنه ثمن النصر.

الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم