خُلِقَ العقل وكرِّمَ به الإنسان، ورُبطت قيمته به، وحُثَّ على حسن استغلاله.
وخاطبت الفطرة فيه القوة الدافعة إلى التمييز والاكتشاف والنظر وتمحيص كل وافدٍ ليمرِّرَ المقبول ويُرَسِّبَ المرفوض.
لكنه تأرجح بين الإعمال والاستغفال، فقد استعمل في عصور بشكل تام وسليم نهض بأمم كاملة، وقادها إلى حضارات راقية تدريجيا يسَّر للإنسان استغلال طاقات الدنيا.
وإن تناولتُ الموضوع بواقعية لا فلسفية، فإنَّ الدين مكَّن للعقل قبل الاعتقاد وخلَّصه من جحودات صدَّته عن الآفاق، وعطلته عن العمل، وحرَّفته عن مسار التحرر الإنساني، كعبادة الحجر والشجر، وتحكيم البشر.
فلم يثبت أبدا في زمن النبوة إجبار على الإيمان، بل هي دعوات مع ترك عقل المدعوِّ حرًّا.
لأن الأحكام الصحيحة التي يتوصل إليها العقل بالإعمال والإقناع والحوار تشتد رسوخا من الأحكام المقلدة.
لقد شَغَّلَ الصحابة رضي الله عنهم عقولهم وسألوا عما لم تستوعبه من الفروع، وأبدوا آراءهم في وقائع، غير مصطدمين مع عصمة الوحي.
لكن كشف التاريخ من سَلَّمَهُ رخيصا مهانا لينثلم مثل شبكية الصيد، كأتباع الفراعنة ممن سجنتهم ادعاءات الربوبية، وتسلل إلى العقول استغفال ذهني اعتقلها بالتقليد والوهم، وتقلدت ما يسوقها إلى المجهول.
زاد تقليد المذاهب المختلفة دون نظرٍ سوءً، تخويفا من التجوال بينها، وتفرق المجتمع العلمي، فعطلها، وتقدَّس النقل عن أرباب المذاهب وأتباعهم، وحوَّلَ الاهتمام من النص إلى الشخص، ومن نتاج العقل إلى سراب الوهم.
وضُيِّقَ على التفكير والتدبر في المعاني والنصوص، خشية التجرؤ على العلم، الذي لا خوف على ضوابطه.
إن محاصرة التساؤلات والمناقشات هو الجرم وليس جرأة المعرفة وإعمال العقل، الذي لا يعدو تنويمه كتمانا لاختلاف مصادرها، وتوليدا للتبرير والرد على كل اعتراض، وتغليظًا على الأحكام المرنة.
إن تصفيد التفكير داخل التنظيمات المختلفة كالجمعيات والأحزاب، واستبداد القائد وتفرده بالقرار إلغاء للعقول، وإضعافها عن مجاراة الواقع واستقصاء المعلومات، على الشكل الكنسي القائل ""أغمض عينيك واتبعني"".
والتنكر للاختلاف الفكري والفقهي والعلمي المنضوي تحت إثراء الفهم لمن زمرة الكبائر.
وأسر العقل بالإجبار على قبول الأخبار الموهومة بكل وسيلة وأسلوب سوق نحو السراب.
إن توسيع دائرة العقل دفع المسلمين إلى جهاد الاحتلال في مختلف الأوطان وطردَ قضاءً وقدرًا باطليْن.
وانبرى به من بَيَّنَ العلل القادحة لبعض متون نصوص السنة بمناقشات عقلية ناضجة.
ورُدَّتْ تأويلات بعيدة عن الحجة، كحديث تحية المسجد والإمام قائم للخطبة، وإتمام الصوم بعد الأكل أوالشرب نسيانا وخطأ، وزكاة الفطر أصلا أوقيمة، وحديث حرق البيوت على أهلها لأجل صلاة الجماعة، وغيرها.
وسُرِّحَ المتفكرون والمتدبرون لأحكامها وفهم مقاصدها من حصار التهويل الفكري وتجريم المخالف.
إن السلط الحاكمة في البلاد المسلمة لو حررت العقول من قيود الاستبداد، ومكنتها من الاستشارة، ومنحتها وسائل الاكتشاف والابتكار لحققت بها نهضة ترفع مستوى المنعة العلمية والمادية والحضارية.
ولو تجنبت الوصاية عليها في الاستحقاقات المختلفة لقادت الأمة شخصيات ونماذج علمية عملية مخلصة بارعة متفانية في خدمة البلاد والعباد بما تمليه الأذهان الصافية والقرائح العذبة.
إن العقل في حاجة ماسَّة إلى تعلُّم التفكير ثم إطلاق العنان، في غير ما لا طاقة له به صونا للوقت والجهد، كذات الله، وقطعيات الوحي، والسنن الكونية الربانية، وغيرها، ليرسل دون وصاية، من باب (أرسل حكيما ولا توصه).
لأن الثقة في فكر وعلم وتدبر واكتشاف وابتكار العقل تلقي على الكل منافعها، والعكس يغرق الكلَّ في المفاسد، والمستبد هو الهالك الأوَّل.
Tags:
فكر
