يفسر الاستحياء
عند البعض بالخجل، واحمرار الوجه، وارتعاش الجسد من اقتراف جرم محرج، وانكسار
الأحاسيس بترك واجب، ومآله ضرورة الإحجام تجنبا لتعكير صفو الحياة بين الناس،
وتلطيخ العلاقات مع الخالق سبحانه، فسادت ثقافة الترك مظهرا له، واستغفل مظهر
الإقدام لتسليط الحق الإنساني، وصدِّ الباطل، وإذلال الاستبداد، ومنع الاستعباد، ونصرة
الشعوب، وقمع العنصرية، وليِّ ذراع الظلم بأنواعه.
لقد كانت شهامة صناديد قريش في الجاهلية أصدقَ من ادعاءات
كذابينا، حين تحالفوا على مثل ذلك في دار عبدالله بن جدعان التميمي، حياءً من نفس
تعاف إبطاء حق الدائن.
وكانت نخوة هشام بن عمرو بن الحارث، وزهير بن أبي أمية، والمطعم بن عدي، وأبي البختري بن هشام، وزمعة بن الأسود أعزَّ من جبنائنا المعتلين صهوات موهومة، حين عقدوا حلفا على إنهاء حصار بني هاشم في شعب مكة، حياء من أرحام قطعها، وجوارات انتهكها، وقرابات مزقها. هذا هو مفهومه الصادق الصحيح لا يشوبه غبش عندهم، يحمل معنى انكسار الخاطر إذا تفشى الظلم. ولا غرو أن أقرتهم الشريعة بقول النبي صلى الله عليه وسلم (الحياء خير كله) رواه البخاري ومسلم عن عمران بن حصين. كانت المداهنة جرما يلوي سبيل الطريق، ويطفىء بهاءَ الوجه، بله الكذب. المداهنة نفاق يزيد العدو قوة،،، لأنه تلون مهين، يمنح الشر تغولا. المداهنة داء عضال يضاعف غطرسة الظالم، ويمنحه مهلة الاستقواء بكل شر. وما قالةُ (دارهم ما دمت في دارهم) إلا كذبة من كذبات أبريل. إن اللئيم لا يرد شره اللواذ وراء باطله، وتأجيل عقابه، وصدق الله إذ قال (ها أَنتُمْ أُوْلَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَبِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ) سورة آل عمران. إن الحياء يختلف عن التعامل الحكيم الذي يقر بالحق والصواب ولا يتنازل عنهما، لكنه يُسَيِّرُ التدريج إلى أن ينقشع الضلال. إنه لا يُقيَّد بترك السوء فقط، إنما يتوسع ليشمل فعل الخير، لأنه يمنع التقصير فيه. إنه دافع إلى قطع ذرائع الشر والباطل والخطأ والاستهتار بالدين ولغته وأخلاقه وقيمه. لا يحصر مجاله في مصارف الوهن والضعف المصطنع، إنما يقارع أنصار الرذيلة وناشري الفاحشة اللفظية والعملية. الحياء ليس خشيةً هَيِّنَةً من مصطلح مزيف للفتنة ليشرعن التواطؤ على دفن عوراتها، وستر فضائحها. ولا أن يُداس الأقصى، ويغض عنه من طَرْفٍ خفيٍّ بشبهة الحكمة. ولا أن تساق قوافل الأسارى نحو سجون مدنس المقدسات ويُحتكم لديبلوماسيات مهترئة. ولا أن يقتل البريء حرقا أوطعنا ويترك القصاص لخشية مغشوشة من الفتنة. لقد حتَّم الحياء على النبيَّ صلى الله عليه وسلم الانتصار لحليف على غير دينه من خزاعة ففتح بسببهم مكة. واضطر سعدَ بنَ معاذ إلى الحكم على حلفائه من بني قريظة بحد الشرع. أما نحن فأمة لا تستحي، رأينا الطاعة فما أتيناها، ورأينا الرذيلة وما منعناها، لقد صدق علينا قول ربنا (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (146) سورة الأعراف. أمة لا تستحي، الأنفس تُزْهَقُ بالغدر، وتكَّتمت. أمة لا تستحي، الأعراض تخدش، وتغض البصر دون انتهار. أمة لا تستحي، الفاسدون والطامعون ينهبون على عينها، ولا تبتر. أمة لا تستحي، العنصريون يجولون الربوع، ولا تترجَّل. أمة لا تستحي، أسافلها يهين كبراءها ولا تعتزّ. أمة لا تستحي، قلة تدحض قيم الأغلبية، ولا تنتصر. أمة لا تستحي، الباطل يجادل الحق بحضرتها ولا تئن. نحن أمة لا تستحي....
