المسجد أول لبنة كانت شعار الكيان
الإسلامي الجديد بُعَيْدَ الهجرة، قبل الاهتمام بإقامة النبي صلى الله عليه وسلم،
دلالةً على قيمته العظيمة في بناء وتنشيط
المجتمع الإنساني الإسلامي، ولا غرو أن كانت قرارات الأمة تخرج منه، مواكبة لفضاء
واقعي غير محصور بين جدران تؤوي المسلمين
فقط، وكانت الشعائر دافعة إلى تصحيح الأوضاع وتنويرها في الخارج من الشارع إلى
البيت.
كان يكرس ذلك خطابٌ نبويٌّ واضح، واسعُ الآفاق، وبه شعَّت حضارة على الدنيا كلها، ولو بقي خطابا يطوف حول دفات
الفقهيات الجزئية ما كان غيثا خارج عتباته.
وأحسب أن شهر رمضان والجمعات هي الفرصة المتاحة بوسع زمني كبير، لعلاج الأدواء الشعبية خارج قباب المساجد.
لكن الآمِّين لها يشهدون لمتصدري كراسي الدروس ومنابر الخطب غلبة الكلام على فقهيات، ممزوجة بالمسائل الروحية كالدعاء
والذكر وآدابهما وغيرها، لا يعدوها نحو استنهاض واقع مرير نائم تغط فيه الأمة.
وأرى أسباب ذلك مختصرة فيما يلي:
1/ جهل أوتجاهل كثير من المدرِّسين لما
يعجُّ به الواقع.
2/ القصور عن العلاج الفكري لمفاسده.
3/ إعراضهم عن علاجه بسبب ضغوطات
وتوجسات مختلفة.
4/ عدم القدرة على رسم معالم المجتمع
المأمول.
5/ عائق مستوى كثير من المستمعين القاصر
عن مثل هذه القضايا.
6/ مجاراة المدرسين لتلك المستويات وإهمال
رفعها.
7/ النقص الفادح في التكوين متعدد
المجالات، والعزوف عن الاطلاع وتجديد المعارف.
8/ انعدام الروح المعنوية القوية
الرسالية لدى الكثير منهم.
9/ الاكتفاء بإطار المهنة الضامنة
للراتب ولقمة العيش.
ولذلك طفت للسطح مظاهر مخيبة في الدرس المسجدي وخطبته، ومنها:
1/ الاكتفاء في الغالب بالتذكير الروحي.
2/ المخاطبة القاصرة عن الحرارة النافحة،
غالبا ليس جميعا.
3/ التقصير في تحضير الدرس والخطبة والركون
إلى العادة.
4/ التدريس والخطاب الارتجالي غير المرتب
ولا الممنهج غي الغالب.
5/ الهيئة الإمامية المشعرة باكتفاء صفة
التوظيف فقط.
6/ احتكار الدرس والخطاب، وتضييع الاستفادة
من خبرات فكرية وعلمية خارجه، كأساتذة العلوم الإسلامية الشرعية وغيرهم.
7/ الانفصام الخطير بين المستمعين
بالنوم والنعاس، والمدرسين المحرجين بهم لإنهاء الحصة في أقرب وقت.
إننا في بعض الأحيان نشهد ذلك التفاعل الكبير عند المستمعين إن حدث تطرق لقضايا
لها علاقة مباشرة بالنفس والواقع الاجتماعي بالخصوص، حتى أضحت قاعة الصلاة تعج بالأصوات،
فمن باب أولى لو جلب المدرسُ الإشكاليات من الخارج إلى المسجد يعالجها للناس.
إن الواقع يئن تحت وطآتِ فساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، لكن لكل مناسبة
خطابها المنقذ منه.
فرمضان مَثَلاً فرصة مهمة لمنع التلاعب بجيوب المواطنين والاستثمار فيهم، ولو
بالتحريض على مقاطعة السلع لإرخاسها، مع تلوين الحديث بالصبغة الروحية الدينية
ليمتنع الناس، لكنه لن يتحقق إلا بالدوام، فهو ليس شهر الاقتصار على محتوياته
الروحية فقط.
تماما كما ينبري رواد المنابر في المناسبات التي يؤمرون فيها بإظهار مشاعرها.
إن الشارع والإدارة والمدرسة والجامعة والبيوت والشركات والموانىء والمقرات
المالية والاقتصادية والإنتاجية وغيرها تعج بما يدعو إلى نظرة واقعية تجاهها في
المسجد كي يسهم في العلاج والإصلاح والبتر العلمي والاجتماعي، لما له من هيبة في
نفوس مرتاديه.
إننا نفتقر إلى تفعيل ما سبق بخطط منهجية يتفق عليها أئمة الجوامع ليكون أثرها
فعالا ونتائجها قريبة إن لم تكن سريعة.
وإلى نفير عقائدي يربط الواقع المرير بضعف إيماني، وتصحيحه بقوة علاقة بالله.
ولننظر إلى فترة بدايات الصحوة الإسلامية قبل اعتماد الأحزاب، حيث استطاع الشباب
الملتزم آنئذٍ التأثير القوي في المجتمع، حتى شهدنا على سبيل المثال عزوف جمهرة من
الناس عن تعاطي الربا، وتضررت البنوك والصناديق الربوية كثيرا، لأن خطاب الصحوة
كان أشد واقعية وآثارا في الأرض.
إنه من الضروري نفض تلك الصيغ التدريسية المرتخية التي لا تؤتي أكلها كل حين، ولا
يصطحبها المصلون معهم ولو بمجرد خروجهم لعدم دسامتها وبعدِها عن واقعهم الحقيقي
ومشاعرهم الداخلية ودوافعهم العميقة، والتي أصبحت لا تحقق ذلك النفير النفسي
والبدني والجماعي نحو الائتمار والانتهاء.
لذلك أدعو سادتنا الأئمة إلى التنسيق الدائم القوي في دروسهم وخطبهم واستصحاب الواجب
الرسالي، وإرادة التغيير والإصلاح، قصد إخراج الشعوب من ظلمات الجهل، وسوء الآداب، وفساد المعاملات، واعتلاج الأخلاق،
وانحطاط التحضر، وتخلف السلوك.
كي يكون لنا واقع مسجدي، ومسجد واقعي.
كي يكون لنا واقع مسجدي، ومسجد واقعي.
كما أدعو السلطة إلى برمجة منظومة خطب ودروس حضارية واقعية يلفها رداء العقيدة والتوحيد والعلاقة بالله، لإصلاح الأوضاع من داخل المسجد إلى خارجه تتسلل البيوت والشارع والمؤسسات في الإطار البشري، إن توفرت إرادة البناء الاجتماعي والاستثمار الإنساني.
Tags:
إسلاميات
