في مشهد حقيقي، التقى جروان على صحن صغير بداخله أكلة لحمية بين أدراج عمارة، فعضَّ
أحدهما الآخر وتناوشا، وتدافعا بعيدا، وبعد هدوء العراك عادا فلم يجدا منها شيئا،
لأن كلبا أكلها.
يتجاذب التلميذ في قاعة الدراسة مع زميله حول إسقاط قلم فتضيع معارف الدرس التي
يقدمها الأستاذ.
يتابع الفأر مسار لقمة بسيطة عوض البحث عما يغني من الجوع فيقع بين فكي الكماشة،
فيقتل نفسه بالتسبب.
إنها المعارك الهامشية الجالبة للمفسدة الدافعة للمنفعة، تقبل أكبر الضررين بدفع
أهونهما، وتدفع أعظم المنفعتين بجلب أوضعهما، عوض العكس.
إنها تصرف النظر عن الحقائق والمهمات،، تشتدُّ في قضايا جانبية،، تنهك الجهد، وتضيِّع
الوقت،، تصرف البصائر عن تدبير ومخططات الفاسدين،، تستبدل الذي هو أدنى بالذي هو
خير،، تستغفل العاقل عن الآيات والقيم بالظواهر البسيطة،، تؤول إلى إزهاق الأرواح،
كمن تشاجرا حول مكان مداواة مريض يئن تحت وطأة الآلام إلى أن نفق.
تصيب العقل في المقتل فتعيق حركة تركيزه، وتبعثر أولوياته، يقبع في أوحال ضيقة
تُغَشِّي فكره وتدبُّره، وتشوش عليه الإبداع في الآفاق فتحرم منه النفع.
تقصم الظهر، وتمنح فرصة بروز النفاق لتحطيم بناءات بذلت لأجلها المهج،، كتلك
المشاكسة بين المهاجري والأنصاري في المريسيع، واغتنام رأس النفاق التحريض.
منشأها الأوساط العفنة نفسيا ومعنويا واجتماعيا، وتدهور مستوى الفكر والعلم
والثقافة والوعي.
يساعد على ذلك ترهل القيم، فتنتشر بها الإشاعات.
تُفَرِّقُ الشمل، وتذهبُ ريح القوة، كالجدال حول عدد ركعات التراويح في أحد مساجد
مصر مع صخب شديد، لولا تدخل الإمام الشهيد حسن البنا آمرا بالانصراف لأن الوحدة
فرض، والتراويح سنة، فلا يدرأ الفرض بالسنة.
تذهب التقدير والاحترام،، أتذكر في هذا المقام تدخل مدير مؤسسة لحسم تجاذبات حول جداول توقيت الأساتذة، قائلا:
هذه ليست عقارات نتقاسمها.
إن أحداث صفين معركة هامشية وفَّرت الوقت لاستقواء الأعداء، وتفريق صف الأمة.
إن مجلسا يتناوش أعضاؤه المنتخبون على مسؤوليات في غياب المصلحة العامة مجلس
هامشي.
فصائل التنظيمات السياسية الحزبية وقعت في معارك هامشية داخلية ضيعت بالخوض فيها على الأمة منافع.
وضيَّعَ القائمون على التعليم بها فرص النهوض
الحضاري.
إن السلطان له اليد الطولى في اندلاع معارك وهمية حين يريد التخطيط في الخفاء كي لا
تعلم الشعوب، فيصحو الهامشيون على حطام، فيخر
عليهم السقف من فوقهم بمعاركهم، وبما دُبِّرَ لهم في سراديب الاستبداد الذكيّ الذي
يضحك على ذقون المحترقين بنارها، والمصابين بدائها، والمعاقين بشللها.
إعادة مباراة الجزائر والكامرون، معركة هامشية أنست نفوسا كثيرة يوميات سيئة خَمَّرَتْ العقول عما هو جسيم.
اللغط حول تعزية غير المسلمين، مخدِّرٌ ذكيّ عن العدو المشترك، رغم بعد علاقته
بالولاء والبراء.
ثرثرات التبرير، ومواراة الحقيقة، كَوَهَنِ العمل، وسوء التسيير، وتململ الإصرار،
وضعف الإرادة، زوابع عابرة لأنها تعمي عن معين الحلول.
إن العدو الكامن في الأقبية يحبك المسرحيات للصرف عن انتباهات تزعج مصيره.
ومن باب الإنصاف القول إن المسألة قد تعتبر هامشيةً إذا كانت أدنى من الأولى،
أوذاتَ بال إذا كانت أولى من الأدنى، لارتباطها بالأولويات كرًّا وفرًّا.
لستُ أوَّلَ ولا آخر منبهٍ إلى ضراوتها، لكن الأمَّة تجدد الرداءة عوض تحديث العلم
والوعي والفكر، فتضلّ بوصلتها القائدة.
إن أمة اقرأ مطالبة اليوم بترقية العقل، وفحص المواقف، والنظر إلى مآلاتها، ومحيطها
الكوني، وحقيقتها من وهمها، والبحث عن المستفيد، للتعافي من أمراضها، لئلا تقدم جهودها
قربانا لعدوها، والحرص على وحدتها بترقب ما يفتنها، وتجنبِ خطره.
وقديماقال الدكتور غازي القصيبي: ستدرك في وقت متأخر من الحياة، أن مُعظم المعارك التي
خضتها لم تكن سوى أحداث هامشية أشغلتك عن حياتك الحقيقية.
Tags:
فكر
