الميراث (الفرائض) موضوع شيِّقُ، وأول علم نسي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسهل لمن واضب عليه تَعَلُّمًا وتعليما، وصعب على من أهمله.
كنتُ
أدَرِّسُه لأفواج السنة الثالثة شعبة العلوم الإسلامية في الثمانينات، وآداب وعلوم شرعية في
التسعينات، بسهولة لكفاية حجمه الساعي، ففهم التلاميذ كل مراحله، ووثِقوا من تشريع
دينهم فيما يجادل أعداء الإسلام، ومنها نصيب الأنثى، وتعلموا تقسيم الأنصبة، وكانوا
يتناولونه في شعبتيْ الحقوق والعلوم الإسلامية بالجامعة على شكل مراجعة لكمية ما تلقوه
في الثانوي، أفضل من ناجحي الشعب الأخرى في البكالوريا.
ثم استبدلت الشعبة بتعميم المادة على كل المستويات والشعب، فحذف، ثم أعيد إدراجه
في المناهج الجديدة بعد إلحاح، لكنه برمج بشكل أعرج مدمِّر لمقصده.
لأنه خاضع لجحم ساعي ضيق جدا، ويقتصر على أساسيات تعريفية فقط، ليس كبقية
الموضوعات التي تغني فيها المهمات عن الجزئيات، لأن مجاله اجتماعي بالدرجة الأولى،
يُشَوِّقُ إلى تعلم تقسيم التركات حسابيا، وهذا ما طلبه مني التلاميذ، لكنه للأسف
يتوقف عند توضيحات بسيطة كمسألة نصيب الذكر والأنثى، بشكل مقتضب لا يفي بالغرض إن لم ينبه الأستاذ إلى تفريعات يزيل بها الغبش عن
الأذهان.
استطعنا في زمان اعتماد الشعبة الوصول إلى أقصى ما يمكن ما عدا ميراث ذوي الأرحام
والمناسخات، مما رسم صورة واضحة وبالخصوص عن كيفية الحساب والتقسيم تُمَكِّنُ
ذاتيا من استكماله.
إن ما لا يدرك كله لا يترك جله، لكن ما نراه ليس جُلاًّ، وإنما دِقٌّ، وقد تكون
مفسدة إدراجه وبرمجته أرجح من منفعته، لأن التلاميذ سيخرجون بفكرة عليلة عنه.
ولذلك تمنيتُ لو أن القائمين انتبهوا إلى تقدير دقيق للآثار بين المنافع والمفاسد،
والترجيح بينهما، وتجنبوا الانسياق وراء بريق المواضيع، ليقرروا عدم برمجته ويبقى
مؤجلا إلى المرحلة الجامعية لمن يختار شعبة الحقوق أوالعلوم الإسلامية، مع تعويضه
بموضوع الوصيةالمحذوف فقط، للتمييز بينهما.
إن خلطا كبيرا يلاحظ على برمجة التدريس، والدليل اعتكاف الوزارة هذه الأيام على
بناء تدرجات جديدة لتخرجها إلى العلن في الموسم القادم، رغم حداثة التدرجات
الحالية.
لقد أصبح المتابع للشأن التعليمي يرى بهذه الممارسات تعمدا مبرمجا نحو التدريس
الخاص الذي ينهك الجيوب، لبريق جودةٍ تكفُلُ لمدير المؤسسة الخاصة مصداقيته
وسمعته.
إن الناظر إلى هذا الوضع يجد أن التعليم الأفضل هو ما يصدر من جمعيات خيرية تقدم
العلم في سبيل الله، كالمعاهد الخاصة بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي
تجتهد في تقديم علم شرعي أصيل دسم، ومنها ما أعلمه عن معهد الشيخ البشير
الإبراهيمي بالمدية، حيث يبذل ثلة من الأساتذة المخلصين وسعا كبيرا في إيصال العلم
لكل من يطلبه.
ولذلك ما على الوزارة في هذا الصدد إلا أن تدقق مليا في الحجم الساعي الحالي
المجحف في حق مادة العلوم الإسلامية الذي لا يسمح إلا بتقديم نزر يسير عن العلم
الشرعي، إن لم يتحول في بعض الموضوعات إلى مسائل أقرب إلى الحياة المدنية من
الشرعية، على الأقل ببرمجة ثلاث ساعات لكل فوج تربوي أسبوعيا، مع تقليص للبرامج
تمنح للأستاذ إمكانية الاستفاضة في التوسع الضروري لبعض الدروس.
إن التبعة كذلك قائمة قبل الوزارة على مفتشي المادة للذود عنها، وصون كرامتها،
وحفظ قيمتها، من التلاعب المعنوي والواقعي بتدني معاملها الدافع إلى استهتار البعض
وتقليلهم من شأنها.
وتبعة أخرى لا تقل قيمة عما سبق وهي المسلطة بالضمير الإيماني على أولياء التلاميذ
إن أرادوا لأولادهم تعلما مراعيا لقيمهم الإسلامية.
Tags:
تعليم