القيم بين الفهم والإفهام.

تصفحتُ منهاج مادة العلوم الإسلامية في مراجعة دورية، حتى وقع نظر بصيرتي على موضوع القيم في القرآن الكريم، ونظرا لتناوله الأعرج ــ في نظري ــ الحاوي مفهوما خاطئا، ربطتُ اتصالات ببعض أهل العلم في هذا الشأن للتشاور حول مفهوم واضح للقيم والفرق بينها وبين المبادئ، وبعد الاتفاق مع البعض، وعدم الاقتناع ببيان الغير، أردتُ ترجمة المتوصل إليه بأن بينهما ــ في رأيي ــ عموما وخصوصا، لأن المبادئ في الكون والحياة كلها حسنة، موافقة للتشريع ومقاصده المصلحية الجالبة للمنافع الدافعة للمفاسد، وهي المأمول أن تكون ثوابت الإنسان في تعامله مع حياته.إلا أن الاختلاف واقع فيها بين الأفراد، والأسر، والمجتمعات، والدول، وكل نوع مثقف مدرك لما حوله هادف لمستقبله مخطط له لابد أن يهيِّءَ منهج حياة لنفسه. 
ولذلك تتخذ كل فئة لها قيما، تعتبر الأسس التي تبني عليها تصورها وتصرفها،
ومنه تخطىء التسوية بين القيم والمبادئ.
فالقيم ــ في تقديري ــ هي تلك الأسس المختارة، وافقت مبادئ الكون والحياة وارتقت إليها ونالت تزكيتها أم لا.
والسلوكات التي تصب في خانة مشتركة هي التي تدلل لنا على قيمة معينة.
ولأن التصرفات معبرة عنها هادية إليها نجد الأفاضل يرددون لفظة اختلاف القيم أوالمعايير أوالموازين، إذا رأوا انهيارها بواسطة سلوكات مشينة.
فالفرد ــ على سبيل المثال ــ الملتزم بقراءة الكتب، وحضور المحاضرات والندوات ومشاهدة الأشرطة والحصص العلمية، الحريص على التقيد بالعلم في سلوكاته، وغيرها، ينبهنا إلى أن للعلم قيمة عنده، وهكذا سائرها. 
فقد يكون للمسلم قيَمُهُ حسب دينه ومعتقده، ولغير المسلم قيمه حسب معتقده كذلك، بإدراك لما يفعل لبناء منهج الحياة.
نظمتُ لتلاميذي تمرينا، فطلبتُ منهم إمساك أوراق وأقلام، وأمليتُ عليهم مجموعة كلمات، كالعلم، الوقت، الأخلاق، العمل، الرياضة، الكبير، الإنسان، العدل، الدين، وغيرها، على سبيل المثال لا الحصر، وطلبتُ منهم التعليم على الكلمة التي يعتبرها كلٌّ منهم قيمة له في الحياة بصدق وحرية تامة ميدانا لا فكرا، وبعد نهاية العملية توصلنا إلى نتيجة مفادها أن الناس أفرادا، أوأسرا، أومجتمعاتٍ، أودولاً يختلفون في اعتبار القيم، فما هو قيمة عند طرف ليس بالضرورة عند آخر.
ثم طلبتُ منهم ترتيبها حسب أولويتها، فكانت النتيجة الاختلاف في ترتيب قيم الحياة، فما هو أولويٌّ عند فئة ليس بالضرورة موافقا للأخرى.
أما من أراد موافقة غيره له في الاعتبار أوالأولوية فهذا مجاله الإقناع بالنقاش والحوار الحرّ.
هكذا أفسِّرُ القيم من منظور مبسط، بعيدا عن تفاصيلها الفلسفية، وما ينبغي أن يكون عليه الفرد المسلم، والأسرة المسلمة، والمجتمع المسلم، والدولة المسلمة وقيمها، فهذا له مجاله الواسع.
لذا كنت ألح على تلاميذي على ضرورة التدبر الدقيق لبناء منهج حياة على قيم يختارها كل واحد، وليتها تكون مستمدة من المبدأ الاعتقادي الديني الإسلامي.
أما تفسير القيم بالأخلاق، فهو أمر خطأ، لأن الأخلاق إما أن تكون لها قيمة تظهر بسلوكات جزئية تصب في رافدها، أوبعضها معبرٌ عن قيم أخرى.
ولا مانع من احتواء قيمة لأخرى، كاحتواء قيمة العمل لقيمة الوقت.
لأن إدراج الحياء ــ وهو خلق ــ في إطار القيم الفردية، أوالمعاشرة بالمعروف ــ
وهي جزئية ــ في إطار القيم الأسرية، أوالتكافل ــ وهو جزئي ــ في إطار القيم الاجتماعية، أوالطاعة ــ كجزئي أسري وسياسي ــ في إطار القيم السياسية، أمر أرى له ضرورة المراجعة لضبط المسائل العلمية والفكرية.
لذلك أطلب من القائمين على التعليم إعادة صياغة منظومة القيم للتلاميذ والطلبة بشكل منهجي بنائي أساسيٍّ للحياة، ولو على سبيل التمثيل، مع إعادة نظر جذري في كل برامج التعليم.

دون تعصبٍ، أومنع حوار هادف مدللٍ حول هذه الأفكار المهمة ــ في نظري ــ

الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم