وجدتُ تعليقا من الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله على قوله تعالى: وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا. سورة الكهف 28.
قال: (وليعلم أن البعض قد يذكر الله لكن يذكره بقلب غافل، لذا قد لا ينتفع، وأن الإنسان الذي يذكر الله بلسانه لا بقلبه تنْزَع البركة من أعماله وأوقاته، حتى يكون أمره فُرطا عليه).
رأيت ذلك قسوة على الذاكرين، وتخويفا للناس، وتيئيسا من ربهم.
ولو عدنا إلى النص لوجدنا قوله تعالى (عَنْ ذِكْرِنَا)، لا (في ذكرنا)، فلا يتطابق مع قوله: (وليعلم أن البعض قد يذكر الله لكن يذكره بقلب غافل)، (وأن الإنسان الذي يذكر الله بلسانه لا بقلبه تنْزَع البركة من أعماله وأوقاته)، لأنه تفسير بعيد، يمزج بين الحقيقة والخارج عنها.
لقد نشرتُ فيما سبق ضرورة فهم سياق النص لإسقاطه على الواقع، وكثيرا ما اختلف الفقهاء في صحة وبطلان سلوكات لنواهٍ خارجة عن أركانها.
ولم يكن ذلك في المسلم بل في الكفار الذين طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم الابتعاد عن الضعفاء الذاكرين لربهم، وليراجع تفسير الطبري للآية.
ولنعرج على إعذار الله للساهين أثناء الصلاة، الذين لم يكن أمرهم فرطا.
إن الله تعالى أشار إلى الإغفال المطلق لا إلى مطلق الإغفال، لأن الذاكر بلسانه وُفِّقَ له بانتباه ولو بسيط من قلبه منطلقًا.
والله تعالى لم يشر إلى من أغفل بعض قلبه، وإنما من أغفل قلبه كله، (من أغفلنا قلبه..).
فليس من معقول الدعوة إياس الناس من رحمة الله، وقد تؤول غفلة بعض قلوبهم إلى إيمانٍ قوي ولو بعد حين.
كنت في زيارة عمِّ والدي رحمه الله، وهو شيخ كبير أتم القرن من عمره، سألته عن القرآن فقال لي إني أختمه في الأسبوع مرتين، لكن دون تدبر، فشجعته ولو اشترطتُ عليه التدبر لأعرض وعلق ذنبه بعاتقيَّ.
كثير ممن ذكر الله بلسانه دون قلبه استقام أمره بالتدرُّج، ومن قرأ القرآن بلسانه لا بقلبه صار إلى التفاعل، ومن بدأ السير إلى الله بقلب مذبذب، فوصل بفؤاد يقظانٍ، ومن بدأ الصلاة ولم يتحقق له الخشوع بسرعة، لكن لا نعذر عليه تاركها عليه بسببه.
إننا في زمن نريد إحياء قلوب الناس بالرفق في ترقيتها نحو ربها.
نعم ما أحلى أن يعيش القلب مع اللسان، لكن ما لا يدرك كله لا يُنْهَى عن جُلِّهِ.
ولنتذكر من قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه (ساعة بعد ساعة)، فقد عذره على ساعة يغفل فيها عن الذكر، وقد تعوَّد عليه في أكثر منها، فالغفلة المؤقتة لا تزيل إيمان العبد.
الأمل في ارتقاء حالة الذكر حسنُ ظنٍّ بتوفيق الله، والتشاؤم منها سوء ظن به.
الناس تشغلهم مشاقّ الحياة، والحَيُّ من حرك لسانه في انتظار قلبه.
أكره تلك الصيغ التي تصور كالقواعد، وهي ربما مجرد ظنون وأوهام.
إن للناس مع القرب من ربهم مقامات، فلا نضع الكل في عتاب واحد مع اختلاف مقاماتهم.
ولا نعتبُ على الذاكر بلسانه وهو يمشي في الطرقات والأسواق إذا سها، بسبب ما يرى في السبل والشوارع، بل نعتبر هذا منه ورعا فاصلا نفسه عن غيره ممن تعج بهم الحياة شرا وفسادا.
Tags:
إسلاميات