فرض الله العلم على البشرية، فتعالت قدسيته، ونيل بنصب يناسبها، ولا يزال طلبه بالضنك، فقد وصف نبينا صلى الله عليه وسلم ابتغاءه بالسلوك، وهو السعي، في قوله {منْ سَلَكَ طَريقًا يَبْتَغِي فِيهِ علْمًا سهَّل اللَّه لَه طَريقًا إِلَى الجنةِ} رواه أبوداود والترمذي ةابن ماجة وأحمد عن أبي الدرداء رضي الله عنه.
وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يجهدون أنفسهم ليتعلموا منه صلى الله عليه وسلم، عمر بن الخطاب وجاره يتبادلان أيام العمل والحضور إليه للتعلم، وأبو هريرة رضي الله عنه يلازمه ليعوض ما فاته قبل إسلامه، وكم من متعلم لم ينل الإجازة إلا بعد حفظ مضني تواصل لأجله ليله بنهاره، ولم تُرعَ فيه شفقة؟، لأن العلم يؤخذ غلابا.
رحل الناس لأجله، وربما لم ينالوا الكثير، حتى أُلفَتْ كتب في بيان الرحلة لأجله، منها {الرحلة في طلب الحديث} للخطيب البغدادي، و{الرحلة في طلب العلم} لأبي زيدان العربي، وغيرهما.
إنَّ قيمة العلم ثابتة، لن نطيق لها تحويلا ولا تبديلا.
ولم يتوانَ علماء غير المسلمين عن سلوك كثير من سبل نيله، بالبحث والتنقيب.
إنَّ العلم لن يعطيك بعضه إن لم تعطِه كلك.
إنَّ العلم ليس ملجأ اجتماعيا.
إنَّ ثمن تسلق درجاته النصب والسهر وبذل المهج، ولن يكون بحال خبطَ حظ، أوهبةَ فرد.
وإذ أُذَكِّرُ بهذه الأصول وأهنىء الناجحين في امتحان شهادة البكالوريا دورة 2021م، فقد ذهلتُ مثل غيري بمنحها لمن دون الناجحين، لا حسدا لهم، لأن انتقالهم سيمنح للثانويات سعة أفضل، لكن تصديقا لما أسلفت، وتضامنا مع العلم، وحزنا على قيمته.
كثير من نسب النجاح منذ الاستقلال كانت منخفضة، لكن بحقها، ولم تستثنَ دفعةٌ لاعتبارات خاصة، ولا أصبنا بالخجل، لأن العلم لا يقبل التفويض.
وإذا استدبرنا لوجدنا سنوات الجمر أشد بلاء،، التلميذ في المناطق الداخلية بالخصوص ينهض على وقع أخبار الموت،، والاختطاف الليلي،، بعضهم يجد في طريقه إلى مؤسسة التعليم الرؤوس المقطوعة،، يلتقي الحواجز المزيفة،، اتنفجر قريبا منه القنبلة ويجرح ثم يلتحق بمؤسسته،، وعقله شارد عن الدرس يتعجب من بقائه حيا.
كنا نسَرِّح بعض التلاميذ قبل الخامسة لئلا يفاجؤوا في الطريق إلى بيوتهم بمحترفي الموت.
كل ما حصل لم يبرر التسامح مع العلم ولا معدلات النجاح، والتلاميذ والطلبة تناولوا الأمر بمأخذ الجد.
وعلى العكس فإن مدة الحجر الصحي الوطني كانت فرصة واسعة رائعة للانكباب على الدراسة في البيوت، استثمارا للوقت، فلم يكن داعي تبرير هذا الإجراء بالظرف الصحي.
ماذا يقال للمخفقين سابقا بمعدل 09.50 لو طالبوا بمنحهم الشهادة الآن؟ خاصة ذوو المستوى الأفضل من هؤلاء؟
كيف يقبل هذا مع تلاميذ امتنعوا عن الحضور فصلا كاملا، بحجة إتمام الدراسة عند الخواص، علما أن الاستغناء عن الدرس الرسمي مهلكة؟ وكنا ننذرهم بالرسوب.
أليس من الأفضل منحهم فرصة الإعادة لاكتساب تحصيل قوي دسم بدل الانتقال إلى الجامعة بضعف واضح؟
أي فرع جامعي سيستقبلهم؟ أم هم ضيوف شرف؟ أم سيندمون مثل بعض الدفعات الحاصلة على معدل 11 و12 لأنه لم يمنحهم الجلوس على مقاعد فروع كانوا يرغبونها؟
ما هي نظرة هؤلاء لأساتذتهم الذين كانوا ينصحونهم بالحضور والتكوين والمثابرة والجد، ويحثونهم على معدلات النجاح الحقيقية؟ أليست الآن نظرة ازدراء؟
ما هو موقف تلاميذ الموسم القادم مما سبق؟، وهل سنضمن منهم عملا جادا قويا، أم سنصطدم باقتداء سيء؟
يريد الأستاذ رؤية ثمرة غدوه ورواحه ناضجة يانعة، مثل عمل الفلاح مع الشجرة المثمرة تماما، ويحزن لو تم قطافها قبل زهوها، أوسقطت بريح أومطر أوبَرَدٍ،، أما هكذا فمقال الحال أن اعمل أواترك.
ألم يكن الأجدى استشارة أهل الاختصاص، والميدان؟
ألم يكن بالإمكان فتح ورشات مسؤولة حول دراسة علمية تربوية لاستبدال الباك بعملية تقويم أخرى؟
بماذا سيرد عليَّ التلاميذ عندما أصمم لهم أسئلة اختبارات في المستوى كالعادة إعدادا للباك؟
إن العلم لم يسلم زمامه للتعاطف والتضامن أبدا.
كان الرجل يرحل لأجل حيثية بسيطة، أونص شرعي واحد، دون إجابة، ولا تعتبر متاعبه وسفره مظنة رأفة.
إنِّي أناشد القائمين على الأمر، إعادة الاعتبار للعلم وفضله، والتعامل مع مريديه بحزم منفعي، فهؤلاء فلذات أكبادنا يحرم إيهامهم، وإغراؤهم بالتمادي في الإهمال والغياب عن الحصص، والاستهتار بدرجة العلم، ونقص احترام الأستاذ، والتراجع عن البذل في التحصيل، وعصيان المؤطرين، والتمرد على الاختبارات والفروض، كل ذلك لأن الشهادة أصبحت مضمونة.
