كان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الأمين على الوحي، ومفسره بالسنة. بعد التحاقه بالرفيق الأعلى، بدأت الحركية التشريعية بما تدل عليه النصوص قطعا، أوما يفهم منها ظنا، أوباجتهاد خارج النصوص، وعلى رأسها القياس، ومراعاة مصالح العباد. فبدأ الصديق رضي الله عنه بقياس ترك الزكاة على ترك الصلاة في حكمها، وما حكم به في مسألة جمع القرآن في مصحف واحد.والفاروق رضي الله عنه منع المؤلفة قلوبهم من الزكاة، لأن المصلحة التشريعية في القرآن بذلك زالت، ومنع تقسيم سواد العراق على الفاتحين، لحاجة الخلافة إلى استعماله في مصالح الرعية، وتعويضه بمنحة سنوية. وعثمان رضي الله عنه أضاف الأذان الأول للجمعة، لحاجة المسلمين الأباعد بعد كثرتهم إلى سماعه كي يصلوا مع الخطبة، وبنى الصومعة، لحاجتهم إلى سماع صوت الأذان من بعيد، ليلتحقوا بصلاة الجماعة، وجمع الناس على نسخة واحدة من القرآن وأمر بحرق كل المصاحف المكتوبة في الأمصار، دفعا لفتنة التفرق. والحسن بن علي سلم الخلافة لمعاوية لجمع كلمة المسلمين، على عكس ثبات الخلفاء قبله عليها حتى الموت. وغيرها من الاجتهادات المنضوية تحت حركية تشريعية تبعد عنها صفة الجمود والركود. وإذ أذكر هذه النبذة القصيرة المخلة في حق من لم أنبه إلى اجتهاداتهم المبنية على فهم النصوص، أوالاجتهاد خارجها في إطار القياس والمصالح، فإنني أردت التنبيه إلى ضرورة مراعاة هذه الحركية، وتجنيبها الجمود البشري، لإبقاء المرونة اللازمة لصلاحية التشريع الإسلامي لكل زمان ومكان. نبهني إلى ذلك مسألة النداء الأول للجمعة، الذي توخى منه المجتهدون مصلحة وصول المسلمين إلى مساجد الجمعة مع النداء الثاني أوقبله. ولأن الأحكام الاجتهادية مرتبطة بعللها، حيث يدور الحكم مع العلة وجودا وعدما، فإذا انتفت المصلحة المتوخاة انتفى الحكم. ألاحظ خلال فترة الوباء بالكورونا إغلاق مصارع المساجد عند نفاد الأماكن المخصصة للصلاة بالعلامات الشريطية، وعادة ما أصبح ذلك قبل دخول وقت النداء الأول، لسبق مسارعة الناس إلى الدخول لئلا تفوتهم فرصة أداء الجمعة، لضيق المكان. إن هذا الوضع يقود في تقديري إلى انتفاء المصلحة المتوخاة من النداء الأول، وانتفاء علة الحاجة إليه. والنتيجة الحاصلة المقدرة في نظري هي التخلي عنه، لأن علة تحصيله انتفت، فينبغي انتفاؤه. وإذا كانت هذه الحيثية واقعا مخالطا، فهي مجرد مثال لغيرها الكثير، مما نقيس عليه كل الاجتهادات الأخرى، مما يستمر العمل به ما ثبتت مصلحته، وما انتفت مصلحته توقف العمل به، ولو عادت عاد حكمه من جديد، وكم كنا نتحدث قديما عن مفهوم الثابت والمتغير في الإسلام؟ وهو ما أراه محققا لحركية التشريع، من خلال العمل بالأحكام الاجتهادية بمناطها المضبوط. والله ورسوله أعلم وأحكم.
Tags:
شرعيات
