آمال الأمة بين المجاراة والخيانة

يهالنا وقوع أمتنا تحت وطأة ولاة على أقطارها، لم يكتفوا بالتحكم فيها أعمارا مديدة، وأعواما عديدة، دون نفع مأمول، ولا دفع ضرر مشؤوم، إنما قرروا دون استشارتها، ولا سماع رأيها، بالقبول أوالرفض.
شعوب تتهاوى تحت سياط سلط فوضت نفسها عنها دون توكيل، في الخضوع لمن استبدلوا الاستدمار  القديم، بالغصب الاقتصادي والغزو الفكري، بعد الانهزام العسكري، متوهمة صيانة مصالحها نيابة عنها، دون الكشف عن جزئيات المعاملات العلائقية الخارجية، ولا اعترافها بالتخابر مع الأجنبي.
ارتدادات وتراجعات محطمة مشاريع بصيص أمل الأمة. 
ردة عن الحق، وعن الصواب، نابعة من خيانة، بحقد، أوخطأ بسهو، أومجاراة، برأي يُرَى.
ولسنا نخون أحدا بالخطأ، لأنه طبع بشري.
فقد أخطأ حاطب بن أبي بلتعة وأخبر أسرته بقدوم المسلمين فاتحين مكة، خوفا عليهم، لا خيانة.
وكرَّ خالد بن الوليد عائدا من قتال الروم في مؤتة لقلة عدة وعدد، ولم يخن، لأنه نجى جيش المسلمين من الفتك به.
وتأخر المخلفون عن غزوة تبوك، متأولين لا خائنين، والدليل قبول الله توبتهم، وتسميتهم مخلفين، بقوله تعالى {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} سورة التوبة 118.
وأيد الله تعالى مجاراة العدو في المعركة للالتفاف عليه، أواللحاق بالصف، فقال تعالى {وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}16 سورة الأنفال، ولم يعتبرها خيانة، لأن المتحرف والمتحيز تحايل على العدو ولم يمكنه.
لكن منافقي المدينة تظاهروا بالانتماء إلى الأغلبية المسلمة نهارا، وأسروا التخابر مع قلة الكفر ليلا، فأخرجوا من دائرة الائتمان، إلى طوق الخيانة.
إن مرد التولي، إما أن يكون الرأي، أوالتأويل، أوالخيانة.
قد يجر التأويل والرأي إلى اللوم والعتاب، إن جلب ضرًّا، أوالعقاب بدرجات حسب جسامة المخالفة، أوالجرم، وقد يصدر من المتأول مجاراة أومهادنة، تريثا عن العجلة، لقلة عدد وعدة، أوتحييد جبهات معادية، أوتأجيل صراعها، أوتحسين نية وأخلاق جوار، وكف الأذى، فقد صالح وعاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قبائل كثيرة لهذه الأسباب، كخيبر، وبني النضير، وبني قريظة، وبني قينقاع، ومشركي مكة في الحديبية، لأن مقصد العقل والإسلام أمن الناس على نفوسهم وأموالهم وأعراضهم بالدرجة الأولى، إلا بتمييع القيم، وإهمالها، وتمكين الأجنبي من المسلمين، وتسليطه على رقابهم، وأعراضهم، وحاجياتهم، في معاشهم، كما فعلت بنو قريظة.
فلا إشكال في مداراة، بأمارات، أومرامي تقصد قطعا، أوغلبة ظن، باجتهاد جماعي علمي مخطط يرعى مصلحة الإسلام والمسلمين، بجلب النفع، ودرء الضرر، أوطرحه إن غلب على الظن عدم تحققه.
فالقوى العالمية المعاصرة ممسكة بمصائر الشعوب، ومقدراتهم الظاهرة والباطنة، فلا قائل بمنع الاجتهاد الجماعي العلمي الرصين الهادف، من إمكان مجاراتها دفعا لشرها، بأي شكل، أوموقف، أوشراكة، أواستثمار، أوغيرها من المشروع المباح، مع الصرامة في الحرص على مصالح العباد والبلاد، وعدم وضعها بين  شراكها،  لنهب خيراتها، وإدخالها بيت الطاعة الغربوصهيوني، مع العمل على إزالة هذا العائق، بجد وتخطيط مستقبلي.
أما إن آلت المجاراة والمهادنة إلى مداهنة، وموالاة، وخيانة أمانة التكليف، وجر الأمة بالمصائد الإمضائية إلى حتفها، وتسليمها لبراثن الحاقدين الذين لا يراعون في المسلمين إلا ولا ذمة، والإتيان على الأركان بالهدم، وعلى البنيان بالخرِّ، فقد حذر منه القرآن كثيرا، ومنه قوله تعالى {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (1) إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (2)}. سورة الممتحنة.
وقد كان سعد بن معاذ صارما مع هذه القيمة حين شاوره النبي صلى الله عليه وسلم في بني قريظة فحكم فيهم بما يقوي شوكة المسلمين، رغم حلف سابق له معهم.
هذا الذي أدارت له السلط ظهورها، ولم تلتفت إليه، ادعاء أسبقية الحرص على مصلحة الشعوب منها. 
وهذا ما تناساه أهل العلم، وتحاشته الطبقة المثقفة، وأخفته النخبة الراشدة، وحادت عن مهمة توجيه الحكام، ونصحهم، وإلزامهم، والاعتراض على أي سلوك سيء منهم، ومنحتهم التوكيل المجاني الكامل، وكأننا في زمن الخلفاء العلماء الفقهاء،، حيث حفظت لنا المصادر استشارتهم العلماء إن لم يجدوا في المسألة نصا من كتاب أوسنة.
لذلك أدعو أهل العلم إلى نفض غبار كثير من المغالطات الفكرية، التي حجبت الرؤية عنهم، وألبستهم رداء الاشتغال بالفقهيات الشعائرية فقط، وحيدتهم عن الخوض في مصير الأمة، وحكامها.
أدعوهم إلى ترك التعالي الواضح، واستعادة المبادرة من أيادي عملاء الاستعمار، لملء الفراغ العلمي في الجانب السياسي، اجتهادا وتشريعا وإلزاما.
أدعوهم إلى صون الاختلافات العلمية، من آثارها الجانبية كالتباغض، والتدابر.
أدعوهم إلى ترسيم اللقاءات والمجالس العلمية الاجتهادية الملزمة نتائجها للشعوب والحكام، وعرضها عليهم بصرامة التكليف المنوط بهم من قبل ناخبيهم، أومبايعيهم، صرفا لها عن العبث المشهود، لا بصيغة اللقاءات الحزبية الفارغة.
أدعوهم إلى الفصل العلمي الاجتهادي بفهم النصوص والقياس عليها، في علاقة الأفراد والمؤسسات بالولاء، والخيانة، والاجتهاد، والمجاراة، والمهادنة، والمداهنة، والتريث، والاستعجال، وغيرها، مما تناور به فكريا  وكلاميا وسياسويا، توهم به الشعوب، وتوفر الغطاء الشرعي لكل انحراف، ترهن به مستقبلها، بعاجل صفقات مشبوهة.
كي لا يبقى أهل العلم مكتوفي الأيادي عن الحركة الإيجابية، ولا يُحْجِموا عن المشاركة في تقرير المصير،  وإلزامها بالتشريع، والتحرير.
ولئلا ييسروا للسلط الاستثمار في سباتهم، وشرعنة مخالفاتهم بالتبرير الإفتائي.
بذلك نرجو أن يتحقق للأمة نوط قيادتها بأهل العلم، وائتمان المكلفين بتسيير شؤونها، وحفظ كرامتها، وتحرير قرارها وسيادته.

الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم