أنحني وأركع إكبارا وإجلالا لدين الله تعالى الذي رفع قدر البشرية من حمأة الحيوانية إلى فضاء الإنسانية السامي، أول ما بدأ به نبي الله صلى الله عليه وسلم هو الدعوة إلى التوحيد، واستفحاش الوثنية التي تدوس على قيمة البشر بالتزلف لحجر لا يغني ولا يسمن، ولا يهمز ولا يغمز، وإجلال تماثيل لا تكلم ولا تطعم ولا تأكل ولا تشرب، لا تحمي ولا تهيب على مظلوم.
لقد هزأ بها ابراهيم الخليل الذي وعى قيمته الإنسانية وصانها من عبث الوهم، وتمريغ كرامتها، فقال الله عنه {فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (91)، مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ (92)} سورة الصافات.
وقال على لسانه {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ /52} سورة الأنبياء.
وتعظيما لدين الله الذي منح المسلمين عيدين، أحدهما بعد الانتهاء من صوم شهر كامل، وبذل وسع الصبر عليه، تقربا لرب الكون لا لوثن الأرض، وثانيهما بعد اختبار ولاء الإنسان لربه ولو بذبح فلذة كبده، قال تعالى {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى ۚ قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ/ 102} سورة الصافات. فعوضه إعراضا حقيقيا عن ذبح الإنسان، وإبداله علاقة سماوية بين الله وعباده، بقوله تعالى {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103)، وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ (104)، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105)، إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106)، وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107)}. الصافات.
ونسخت شريعة الإسلام كل الوثنيات القديمة، التي لا علاقة لها برب السماء، إذ بلغ الجهل والانحطاط الفكري والمعنوي والحضاري إلى أكل شيء من الصنم وقت الجوع، وتحطيمه وقت الإحساس بعدم نفعه، وصناعة غيره، ليوضع في مكان من البيت أوالساحة، فأهان البشر أنفسهم بعبادة المخلوقات، عوض عبادة من الخالق.
هذا ما يريد بعض مجاهيل وجهلة قومنا إعادتنا إليه، في احتفالات ظاهرها التاريخ، وباطنها وثنية قديمة، أثبت الإنسان نفسه فسادها وخطرها على العقائد والعقول، رغم تعلق وقتها بتطور فلاحي للسنة لا غير.
وإلا فما معنى:
1/ نصب تماثيل لمزاعم وهمية في بلاد الإسلام كالجزئر؟
2/ محاكاة الحيوان بألبسة وسلوكات وحركات احتفالية، تبين حقيقة مقصد تثبيت الصنميات المختلفة في بلد باع رجاله ونساؤه مهجهم للتحرير لا للعبودية الشركية؟
3/ التظاهر بحمل أدوات قديمة لبشر كان يعيش ليأكل ويضرب؟ ولا تنسب إلى الرجعية والتخلف كما ينسب الدعاة إلى التحضر تحت لواء الدين والسنة؟
4/ الرقص تحت الإيقاع الرماني الغريب عن بلدنا؟
5/ التسبيح بحمد معبود وهمي ينسب إليه التوسل لإخراج الماء؟ والله تعالى يقول {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ/ 32} سورة ابراهيم.
6/ التلبس بهيدورة كسيلة عميل البيزنطيين، والسجود لصنم ماسينيسا عميل الرومان، والتدين لصليبية متنكرة في جلد متخلف؟
وغيرها من المظاهر التي يطورها أصحابها كل سنة بتفنن، في بذل جهد كبير متسارع لإحلال ردة عقدية تحت استعارات مكنية داهية، يدعم ذلك دوائر مشبوهة.
إن هذه المظاهر لو لم تتوقف لآلت إلى تحويل التوحيد في هذه البلاد الطاهرة إلى شرك جلي، تماما مثلما آل إليه أمر العرب في الحجاز بسبب ذكريات بصالحين، صوروا وجوههم بعد موتهم، ثم نحتوها، ثم عبدوها، طمعا في بركاتهم، وقربهم من الله، واستجابة الدعاء عندهم.
ولا غرو آنئذ لو رأينا شعبنا يتراجع ويلبس المقطع، والمنصف، لإحلال عبودية قديمة بالية متجددة، وقد بدأت ملامحها في السروال الممزق.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه – أمعاءه - في النار، فكان أول من سيب السوائب}، وفي رواية: (أول من غير دين إبراهيم)، و- السوائب - جمع سائبة وهي الأنعام التي كانوا يسيبونها لآلهتهم فلا يحمل عليها شيء.
وذكر الإمام ابن كثير عند تفسير قوله تعالى في سورة الأنعام {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِّيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (144)} (الأنعام:144)، أن أول من دخل في هذه الآية عمرو بن لحي، لأنه أول من غير دين الأنبياء، وأول من سيب السوائب ووصل الوصيلة، وحمى الحامي، كما ثبت ذلك في الصحيح.
إني أهيب بقومنا أن يتجنبوا هذه المناسبات المعلوم مآلها الفاسد على العقيدة، وأن يربوا الأجيال على وعيها، والدعوة إلى نبذها، فاحذروها، وأجيبوا داعي الله، يجركم الله من عذاب أليم.
وأهيب بالسلطة أن تقاوم هذا المسخ المقصود، كيف لا وهي تتباهى ببناء وتدشين أكبر مسجد بعد الحرمين الشريفين؟ فهل يوفق بين توحيد المسجد لله، وإشراك تلك الطقوس الوثنية مع الله تعالى؟
أجيبوا النداء، قبل أن يصدق فيكم قول القائل، {وإن غدا لناظره لقريب}، يوم لا ينفعكم العض على الأنامل من الإفلات بالتبع لا سمح الله.
تجنبوا كل ما يعلق بهذه المناسبة استهانة بها، واعتبروا يومها عاديا كسائر الأيام، في غيرة جلية على دينكم الذي أخرجكم من الظلمات إلى النور قال تعالى {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ۗ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (257)} سورة البقرة.
فلنختر أي الفريقين نصطف معه.
والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.
Tags:
إسلاميات
