بعض الأفكار تجول في ذهن حاملها لكنه لا يبلورها إلا بما يقدر إخراجها إلى نور التوضيح.
كنت أحرس أحد أفواج اختبار الفصل الثاني لهذه السنة في إحدى القاعات، فدخل أستاذ المادة يوضح بعض ما يبهم على الممتحنين، ومع متابعتي تساؤلاتهم وقع انتباهي لبعض معوقات التمدرس، من خلال قراءة أسئلة الاختبارات دون التعريج على مقدماتها مما يشتت الذهن ويغشي عليه إجابة صحيحة كانت في المتناول لو ربط بين أوائل وأواخر الأسئلة، فقد يدل أوله على إجابة آخره والعكس،، لقد طرحت في اختبارات الفصل الثاني لهذا الموسم الدراسي أسئلة تفسر الأسئلة التي قبلها وتقود إلى إجاباتها، هناك من انتبه فأعانته، وهناك من وقع في فخ إهمال المقدمات فأخطأ.
1/ العجز اللغوي:
ومنه زاد المفردات والمرادفات وحتى الأسماء:
إن التلميذ الذي لا يتزود ولو بتوسط في لغة التمدرس والعلوم من العربية إلى الأجنبية، ولا يحمل كما معرفيا هاما من المفردات يقابلها بمرادفاتها وأسماء الأشياء، لا يمكنه الذهاب بعيدا في التعلم، والتحكم في انسياب الأسئلة أثناء الامتحانات، فقد وجد كثير من التلاميذ يتوقف عن إجابة في متناوله بسبب العجز اللغوي.
2/ انعدام القراءة والمطالعة الذاتية:
رغم إدماني على القراءة منذ الصغر، إلا أنني أتذكر يوم نصحني أخي الأستاذ الدكتور محمد دراجي بالإكثار من المطالعة لأنها تورث ملكة الحفظ والتذكر، فازددت عليها انكبابا ووجدت منها الكثير من الفوائد خارج الحفظ، وبالأخص الرصيد اللغوي، والاطلاع على الثقافات دون معاشرة أهلها، والبلدان دون السفر إليها، والتاريخ دون الإسهام فيه، والفصاحة دون ولادتي من رحمها، هذا ما يفتقده طالب اليوم فاصطدم بصعوبات التعلم والثبات أمام تفاصيل التحصيل.
ومن نتائجه الضعف الواضح في التمييز بين قواعد اللغات،، من مظاهره الواضحة بالعين المجردة وبدون مجهر نحوي التسوية بين النكرة والمعرفة في كتاباته وتدويناته على الدفاتر بل في كل ميدان بما فيه ميدان الأنترنت، فلا تدري ما مقصوده أهو النكرة أم المعرفة؟ يكتب أي شيء وهو لا يدري مغالطات المعاني المختلفة بسببه.
3/ الشح عن الجهد الشخصي:
إن تلميذ اليوم يقل فيه بذل الوسع الشخصي للحصول على التعلمات المختلفة، لا يسعى بكلالأساليب لأجل الفهم والمراجعة والصبر على صعوباتها لتذليلها في ذهنه، ثم الحصول على المراجع المساعدة في حل التمارين والمسائل، ليجهد نفسه ويسهر الليالي، ويفتق عقله، ينتج عنه الآن غزو المحلات الخاصة ومراكز الدعم التعليمي لأجل المعلومة الجاهزة والحل الجاهز.
4/ تعطيل العقل وتوقف التفكير:
وهذه ظاهرة ونتيجة في الوقت نفسه، فإهمال دور التدبر وعمل العقل جرم سيتوقف به تدريجيا عن العمل ويصبح عاجزا عن مواكبة المسار مقارنة بزملائه، إلى أن ينضب تحصيله ونتائجه ثم يعرض نفسه للفصل.
5/ البحث عن النتائج قبل المقدمات:
نتيجة الاضطراب الذي قد نرجعه إلى مواكبة وسائل العصر بشكل غير مدروس، ومنها الحواسيب والتعامل السريع مع الأنترنت الذي ورَّث المرتادين إرادة الناتج بسرعة للانتقال إلى غيره واللحاق بسرعة المعلومة العالمية.
أثناء حراستي تساءل بحضرتي أحدهم فأرشدته إلى قراءة مقدمة الاختبار ففعل فوجد نفسه قد فهم السؤال.
6/ البحث عن الجاهز قبل التعمق في التفاصيل:
تلميذ اليوم أصبح لا يطيق قراءة كتاب ولا مجلد، ولا يصبر على أوقاته، ولا على تمهيد الدرس ومقدمته تشويقا فيما يليه، بل أصبح من شاكلة (خش في الموضوع)، فأين هو ممن قاوم مطولات المجلدات والحواشي والشروح؟
7/ التفكير في الامتحانات أثناء تلقي الدروس:
ما ينغص على الذهن التركيز على المعلومة،،، قبل أعوام قليلة وأنا أشرح درسا، ومن شدة تركيزها معي وفهمها له سألتني تلميذة عن كيفية ورود أسئلته في البكالوريا، وهي لا تدري أنها بذلك ستشوش على ذهنها الإمساك بتفاصيله بعد أن محتها بالتساؤل عن الامتحان وهو بعيد.
8/ انعدام أونقص الرغبة الحارة في العلم والتعلم والتحمل الرسالي:
كل ما أصبح يهم تلميذ اليوم وذويه هو المستقبل المادي، لأغراض يعرفها الجميع، وزالت من مقاصد الناس فكرة الرسالة والأداء الرسالي بالعلم، لذلك غابت عن الجنان تلك الرغبات الحارة في التعلم والتعليم والعلم، ولا نجد تعاملا عاطفيا وجدانيا معه يشغل روح التلميذ، لأنه يتعامل اليوم مع العلم كعابر طريق لا يهمه ذكراها.
9/ الغفلة:
أقصد الذاتية لا بمؤثر خارجي، حينها تصم الأذن عن السماع، وتكف العين عن الرؤية، فلا يبقى من التركيز شيء، والدليل هو الذهول بعد اليقظة منها، وبسببها يمكن للتلميذ أن يجزم بأنه لم يدرس العنصر الذي تاه عنه ووقع السؤال عليه في الامتحان.
وفي الأخير التمدرس هو طلب العلم أولا وأخيرا والنتائج ما هي إلا حاصل الرغبة في التعلم والاطلاع.
إن كنت ذكرت ما سلف عن الكثير فهو لا يعني وجود الشواذ من صفوة نجت من هذه المطبات بسبب مواهب، أوحسن تربية، أوإحكام توجيه، أوإتقان تدريب، أوصلاح صحبة.
منبها إلى تركيزي على بعض أهم المعوقات الذاتية فقط دون المؤثرات الخارجية.
Tags:
تعليم
