بين التبني المحرم والكفالة الناقصة

استلهمت مسألة الكفالة الناقصة من درس النسب وأحكامه المقرر في منهاج مادة العلوم الإسلامية بعد التطرق إلى مسائله المختلفة، وتحريم التبني ذي المفاسد الكثيرة وعلى رأسها اختلاط الأنساب، ومضايقة الورثة في حقوقهم، والذي يذكره قوله تعالى(ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله).سورة الأحزاب/الآية 05، وما ورد عَنْ سَعْدِ بن أَبي وقَّاصٍ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال (مَن ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أنَّهُ غَيْرُ أبِيهِ فَالجَنَّةُ عَلَيهِ حَرامٌ) متفقٌ عليهِ.
ومجهول النسب بريء يُنظر إليه بعفوية عادية، وأخوة دينية قال تعالى (فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم) الأحزاب 05،. يعامل معاملة البشر العاديين، فلا ذنب له إن كان ولدا غير شرعي، أوصبيا ضائعا بسبب حريق أوغرق أوزلزال أوطوفان أوغيرها من الكوارث التي تذهب بالأسرة كاملة وتبقيه هو وحده على قيد الحياة.
تابعت بعض حصص برنامج (وكل شيء ممكن) المتلفز تحت إشراف المنشط رياض بوفجي رحمه الله، المتوفى سنة 2007، كان يستضيف فيها ذوي الحاجات ومنهم مجهولي الأصول الذين يبحثون عن آبائهم لترسيم هوياتهم، رغم كفالة عائلات لهم، أومراكز إسعاف الطفولة، إلا أنهم في حاجة ماسة إلى لقب ضروري جدا لاستخراج جواز السفر، وبطاقة التعريف، ورخصة السياقة، وبطاقة التمدرس، وغيرها من الوثائق الرسمية التي تدمجه في الحياة العادية تماما.
لقد رأيت من خلالها أعدادا لا بأس بها يلحون على معرفة آبائهم الحقيقيين للانتهاء من هذه المعضلة، لكن دون جدوى.
لكن ما مصير من رفض طلبه مع تحريم التبني؟ ونقص كفالة لا تمنح فرصة التمتع بالهوية؟ مع التطور التقني لمعرفة أصول الناجين من كوارث.
وللإجابة على هذا التساؤل، تذكرت اقتراح أحد أعلام الجزائر الشيخ أحمد حماني رحمه الله، بسن قانون أوتعليمة لطبع وثيقة شهادة ميلاد جديدة تحمل رقما واسما خاصا في إطار الحالة المدنية، ويبقى مكان تسجيل الوالد والوالدة شاغرا، عكس ما هو موجود في شهادات الميلاد العادية:
ابن: .....................(للأب) وابن .................(للقب واسم الأم).
كي يتمكن أيٌ كان من التطوع بمنح لقبه لمجهول النسب، يضمن له به حاجياته السالفة الذكر، دون الوقوع في حرج التبني المحرم، لأنها وثيقة خالية من تصريح البنوة، فيكون قد أعانه على شؤونه بدون الوقوع في المنهي عنه، وهو تخريج شرعي، وتحقيق مصلحة متيقنة، والشريعة جاءت محققة مصالح العباد بجلب المنافع ودرء المفاسد.
أما إذا أراد ممنوح اللقب بعد موت المانح التحايل لنيل قسط من تركته بالميراث، فالوثائق تشهد أنه ليس ابنه وإنما ممنوح اللقب فقط، بعدم وجود عبارتي ابن (للأب) وابن (للأم)، وسيرده القضاء خائبا.
هذا الإجراء لمن رفضت أمه اصطحابه معها.
إلا أنني قبل نشر هذا المقال اتصلت بضابط الحالة المدنية لإحدى البلديات للاستفسار، فأعلمني أن هؤلاء تمنح لهم وثائق خاصة ليست كشهادات الميلاد، والذي لا أراه حلا بل يضرب مشاعر مجهول النسب في العمق فيحطمها، فيؤول الأمر إلى دمار نفسي اجتماعي.
لذلك أدعو السلطة إلى تفعيل هذا الاقتراح الذي سيحل كثيرا من الأزمات المعنوية الملازمة لهم، لأن تحرير شهادات ميلاد خاصة تقربهم إلى الحالات العادية ليس كوثيقة أخرى تشعرهم بالانفصال الشخصي عن سائر الناس، ولأنها تحقق منافع كثيرة سبق ذكر بعضها، ومنها الحفاظ على التلاحم الاجتماعي القوي بين مانح اللقب والممنوح، وهو من أبواب التكافل بين الناس، ومنها القضاء على النظرة الدونية تجاههم من قبل بعض المتجرئين على الأعراض، والمتهاونين مع هفوات الألسن، قال تعالى (فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم)، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تعيير امرأة هلال بن أمية بعد اللعان وتأكده من ارتكابها الجرم، قائلا: لو ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن، رواه البخاري، وفي رواية أخرى ومن عيَّرها به فقد باء بإثمه.
كما أدعو القائمين على مناهج مادة العلوم الإسلامية إلى إدراج هذه الجزئية في درس النسب، إتماما وتعميما للفائدة، والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

أحدث أقدم