التنقيب عن أسرار الناس.
سبق بياننا في المقال السابق خسران المرء كثيرا مما يبالغ في الحرص عليه خوفا على الولد بالخصوص، ونتائجه الوخيمة السائقة إلى مذلة الندم والحسرة والشعور بفوات الوقت إن سلم من الموت، والضياع.
لكن المجال يتسع لأمر آخر، هو تضييع علاقات الناس بسبب الحرص على معلوماتهم.
لا شك في امتلاك كل فرد أومجموعة أسرار حياة.
بعضهم لا يجد حرجا من البوح بها أوبجزئها ولا يرى لذلك ضررا.
وبعضهم يتحفظ وخاصة في مرحلة التخطيط المستقبلي.
هذه هي الذهنيات المختلفة التي لابد من تقبل بعضها كما هي وتصحيح الأخرى، وإلا لما تبوأنا مقام الطبع الاجتماعي الذي قضت به سنن الله في الكون.
ولا شك في وجود بعض الكرام ممن ينأى بنفسه عن بواطن الآخرين، علمتهم الحياة الترفع عن الخوض فيها، لأنه يدري أن ما ليس له إتعاب للنفس لا طائل من ورائه، كما قال المثل الشعبي(اللي ما هو ليك غير يعييك)، فيعيش سليم النفس، مرتاح البال، محافظا على الوجدان، متجنبا المرض المعنوي والضغط الداخلي، مكتفيا حين لقاء الناس أوفي غيابهم بمجرد السؤال عن الأحوال العامة والاطمئنان عليها، كاسبا ودهم واحترامهم وتقديرهم،معزا للنفس وهيبتها، خفيف المزاج وإطلالته وغدوه ورواحه، إقباله وإدباره غير مأسوفين، بريء من إحراجهم بلغو السؤال.
ولا شك في وجود من لا يتعفف من الولوج في أوحال نبش الأخبار والأنباء كنبش القبور، مما يكتمه أصحابه حفاظا على أنفسهم ومشاريعهم، وصونا من نشرها قبل صدق نتائجها، لداء خطير لا يشعر به، وإذا شعر فيتمنع من الاعتراف به ظلما وعلوا ومكر السيء.
إنه مرض حب الاطلاع على الدواخل، ثم التحسس ثم التجسس ثم التحاسد ثم التباغض ثم الحمية من التفوق أوالمخالفة ثم التخطيط للتعطيل إن أمكن.
قال تعالى(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا) سورة الحجرات 12.
إنه مصاب بسرطان تتبع العورات مهمل حرمة الأعراض والشرف، غافلا عن عرض له ذي شرف.
إن الحريص على معرفة طوايا الناس دائم القلق إذا غابت عنه، خاضع لخطر الفراغ الذي لا يملؤه إلا وسواس الشيطان ليوقع بينه وبينهم الضغائن والبغضاء، لا يتوانى عن التسلل إلى مناطق ذات حرمة عليه.
يسأل المعني مباشرة وبالمكر المتحايل، فإن كتم سأل عنه كل فرد من محيطه حتى يجد الإجابة الكافية الشافية أوالعليلة.
إنه حامل فيروس التجسس المنهي عنه شرعا وعقلا.
عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا، ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً" رواه مسلم.
إنه متناقض لا يتقبل أن يعامل بالمثل، يشتاط غضبا لو أدرك من يبحث عن أعماله وأسرته ومشاريعه ومحاصيله وأمواله، إلا أنه لا يحدث ضميره بالامتناع عما لا يقبله لنفسه.
يخسر في كل فرصة المزيد من ذوي النفوس الرفيعة العفيفة من شدة حرصه على العلم بكل جزئيات حياة الآخرين.
يفقد من حيث يحرص، لأن العقول تأبى الاستصغار والتنقيب عنها وتجاوزها خفية وراء الظهر.
يضيع مودة واحترام وصلة غيره، مقطوع عنهم، منفور ومتحفظ منه، فاقد ثقتهم في كل شيء خشية على مشاريعهم وتخطيطات مستقبلهم، مؤاخذ بصونه أسراره عكس حرصه على تعرف أسرارهم.
إنه يضيع ما يحرص عليه، فرحم الله امرأ عرف قدر نفسه.
Tags:
تعليم
