قد تضيع ما تحرص عليه1


جاءتني ولية تلميذ متخوفة على مستقبل ابنها، سألتها عن وقت دخوله البيت فوجدته وقتا عاديا، وعن رفقته فوجدتهم عاديين، وعن عمله في البيت فوجدته عاديا، وعن علاقته بالوالدين فوجدتها عادية بل قوية معها، وعن أخلاقه فوجدتها عادية لا انحراف فيها، فسألتها ثانية ما هو مبرر خشيتك عليه، فاستسلمت لاغروراق عيونها بالدموع، فقلت لها(قد تضيعين ما تحرصين عليه).

يحكى عن أحدهم طلب منه ابنه الشاب السيارة، وكان يمنعها عنه كل مرة يقدم طلبه، حرصا على حياته من قيادتها دون رخصة تعرضه للخطر، لكنه بعد الإلحاح الفاشل سرق مفتاح سيارة والدته يوما وقادها وتعرض لحادث أودى بحياته، فندم الوالد على هذا الحرص عوض حثه على تعلم السياقة واكتساب رخصتها، ثم تدريبه معه إلى أن يسلمها له بعد ثقة غالبة، لكنه ضيع ما كان يحرص عليه.
لا يؤدي الحرص دائما إلى المنافع المرجوة، ولا يدرء المفاسد المفزعة، بل قد يؤول إلى مخاطر مفاجئة.
إن المبالغة في الحرص يعمي عن التخطيط لإدراك المأمول، وعن الهدوء في ترصد المخاطر وترقب المنافع، وهو من التطرف والتعسير والتشديد.
إنها تقود إلى الوصاية الممقوتة التي تشعر باستصغار الإنسان، واحتقار الهمم، وتكميم الأفواه، والإنسان السوي يرفض بقطع تقزيم عقله وتسليم تفكيره لغيره.
إنه يحطم الطموح، فكم من فرد له طموحات في مشاريع قد ترقى به إلى القمم حطمها الحرص المبالغ فيه على مصيره.
ويهز الثقة بالنفس وبالغير، لأن استمراره مع استسلام الآخر للوصاية تنعدم بالتدرج ثقته بنفسه، وبالمقابل تنعدم ثقته بالوصي، يثبت في خلده تضييقه على حريته، خاصة إن صدر من الولي مثل الأب أوالأم أوأي مقرب وصي على العائلة.
ويثير الشكوك، حتى في الأسرار ولو انعدمت، أوفي توجس الوصي من كشف بعض المستورات.
ويشجع على الاختلاس المالي والاجتماعي وقد قدمنا مثال صاحب السيارة.
ويحطم روح المبادرة لأن الموصى عليه يستشعر أن لا فائدة من المبادرة ما دام ممنوعا من الفعل أومجرد الاقتراح.
ويبعث إلى كهوف الفرار الفردي، وظلمات الانفصال العائلي، لأن المتمسك ببصيص شخصيته، وإمكانياته سيفكر في وضع حد للقهر، والانطلاق في البحث عن المستقبل.
ويؤدي إلى اهتزاز شخصية الحريص لأن الموصى عليه المتمسك بهمته لن يدير الوقت له ظهره ليكتشف ضعف الوصي أمام تساؤلات عن دواعي المنع الدائم، وغيرها من المضار الخطيرة الناجمة عنه.
ويؤدي إلى الثورات الشعبية بسبب حرص الولي على المنصب واستهتاره بقدرات الشعب، وكأن البلاد عقمت عن ولادة الكفاءات، مقال حاله (لستم أهلا لتسيير دواليب السلطة)، وهو عين ما صرح به الرئيس الشاذلي رحمه الله في مستهل التعددية الحزبية في قوله (سندرب الأحزاب على ممارسة السياسة) إشارة منه إلى قصور مدعى، رغم ما نسمعه دوما عن تسليم المشعل، يكذبه الواقع، فلا هو بقي في منصبه ولا منع من الفتنة والثورة.
ويفشل التفاهم السياسي إن تمسك كل طرف بحد الحبل، فيكون الضحية هو البلد ومصيره.
وقديما قال المصريون (كثرة الشد بترخي)، أي بسبب تقطيع الوصال.
إلا أن العلاج في رأيي هو المرافقة بالشورى المدعومة بالهدوء النفسي والمعنوي، وقد ندفع الموصى عليه إلى الاقتناع بالاقتراحات دون ضغوط أوتوترات، مع أمله في أن يكتب الله له أمانيه، باقيا في حضن البلاد أوالأسرة أوالجماعة البشرية.
وقديما قيل أرسل حكيما ولا توصه، إشارة إلى رسالة مشفرة مفادها إنك في مستوى التحدي لا تحتاج إلى ضبط مسارات السلوك.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

أحدث أقدم