الحرية وتوظيفها الجزء الرابع


سبق الكلام عن ضمان الحريات لغير المسلمين بما منحه الإسلام لغير معتنقيه إنصافا للإنسانية،، والحديث اليوم عن عدم استغلالها أونقصه فيما بين المسلمين،، وعندما يرى المرء السلوكات البينية السيئة، يدرك أن أغلبهم لم يستنفعوا بالحريات إلا تجنبا لخطر الاحتكاك الوخيم، أواستهانة بخطر بيني، أورجاء انعدامه، أواستمالة زعاماتية من النخبة القيادية.
وتبيانا لذلك نمثل لحالات ليست على سبيل الحصر:
1/ الحراك الجزائري المبارك الذي ضرب أروع الأمثلة في الاحتجاج والضغط بسلمية كبيرة، كانت صفوفه موحدة على هدف واحد، قبل اختلاف شديد بين أفراده وجماعاته وتفرق الشعارات التي عبرت عن جذوة استرجاع الدولة الوطنية التاريخية المستمدة من بيان نوفمبر وحركة النهضة الباديسية ضد الهيمنة الفرنسية الثقافية والعلمية واللغوية والاقتصادية عوض الاحتلال العسكري، فتمكنت شعارات دخيلة تناصر العصابة ضمنيا من التسلل، ومع ذلك وفي حدود الاختلاف السلمي لا يحق الإنكار على تعددها وحريتها لو أخذت السبل مجراها الطبيعي في الاعتراف للكل بما يقتنع.
لكن هذه الحرية وظفت توظيفا سيئا، جعلت في نظري حاملي الشعارات الوطنية ينسحبون من الشوارع اتقاء المنكر الأكبر بكل محذوراته.
رأينا رفض الرأي المقابل، والتخوين، والتعطيل، والإكراه، (ومناسبة الانتخابات خير شاهد)، والإنكار على الفكر المخالف، والرمي بالتزلف، ووصف كل من يرى حلا للأزمة بأبشع النعوت، تمزيق لافتات، إرغام رافعيها على وضعها، اتهام بالسكتمبرية، وغيرها، رغم الاشتراك في هدف إخراج البلاد من التخلف.            
2/ التعامل العنيف لطوائف الإسلاميين فيما بينهم، تغنيا بالحرية وادعاء التعامل بها، رغم يقين كل طرف بالاشتراك في نصرة الدين مع الآخر.    

3/ العمل الصحفي الذي أضاف إلى التسابق الإخباري تجاوز حدود الحفاظ على كرامة الغير في النقد وكشف المستور، بحجة حرية التعبير، التي لا تبيح أبدا التجني على الخصوصيات الجماعية والفردية والاعتبارية.
4/ الإنكار على الناقد ولو بسلاح أخلاقي (في رأيي، في نظري، على ما يبدو لي، والله أعلم،، وغيرها)، واعتباره طامعا عوض الاستفادة منه، وتقديمه للعامة في صورة مستهدف مشبوهات خفية، رغم منحه هامش الصواب لغيره.     
5/ التعامل المطلبي العنيف بين الشركاء في المؤسسات والشركات والإدارات والنقابات وغيرها، تمسكا بحرية يتجاوزها المطلب إلى التجريح.      
6/ الانتقاص من الناجح في أي مشروع أوتحرك أوهِمَّةٍ بسبب القصور عن إدراك مثله، بحجة الحرية.  
لقد تم توظيف الحق في الحرية بتضاد ندي لا بتبادل إثرائي تنوعي يمنح للآخر المسافة المتساوية تجاه الهدف المشترك المنشود.     
وجد من المسلمين متعاملون بلباقة عاطفية مع غيرهم بحجة تلميع صورة الإسلام، والدعوة العملية إليه، دون تقديمها على طبق جميل متواضع مع بني عقيدتهم؟
لماذا يحدث كل هذا التناطح رغم الاشتراك في الأصول التي لا تمنع الاختلاف في الفروع؟   

لا تفسير له في رأيي إلا بجهل، وتعصب، وعلم عارٍ عن القيم والضوابط، ولوثة الزعامة التي تصبح مع الزمن ترسبات شخصية ومعنوية سيئة.        
كل هذا بحجة الحرية التي أصبح الكل يتزيى بها ويمنع غيره التحلي بها، ومن تزيى بشيء ليس فيه فقد شانه.
أما من ثبت في حقه عمالة لغير المسلمين، وخيانة لهم، ولواذ بالأجنبي، فأمره في غير مقامنا هذا.

ولا راد للمسلمين في نظري إلا درجات من العلم والثقافة والوعي والقيم والمبادئ في إطار الحق والعدل لفهم حقيقة الحريات وتوظيفها بشكل صحيح.

الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

أحدث أقدم