الحرية وتوظيفها الجزء الثالث


إن من مجالات توظيف الحرية بشكل صحيح، ما هو حق لغير المسلمين في دار الإسلام، وهؤلاء أصناف، منهم أهل الذمة الذين أباح لهم النظام الإسلامي العيش تحت رعايته، مقابل ضريبة مالية زهيدة من شبابهم، يعبر عن هيبة الدولة، لقاء عدم دفاعهم مع المسلمين بسبب اختلاف الدين، أقول هذا ونحن في ذمتهم اليوم.

ومنهم المستأمنون الذين يديرون أعمالا تقنية مشتركة مع مؤسسات الدولة، أويعبرون أراضي المسمين سفرا، أوسفراء، أوبعثات، والمعاهدون، والمصالحون، والمتعاونون، تمنح لهم مقادير من الحرية بين ظهراني المسلمين كالشراء، والبيع، والامتهان، والسياحة، والتعبد الخاص سرا، وامتلاك وثائق المواطنة، والتعليم، والعمل، وغيرها، مما يشتركون فيه مع المسلمين، مقابل ما سبق ذكره في الجزأين السابقين.
فلا يجوز في أحكام الإسلام الاعتداء عليهم، فهم أصحاب معاهدات ومواثيق رسمية، لأنه إهانة سيادة النظام الإسلامي ومعاهداته المبرمة.
إنه حد الحرية العريضة للمسلمين، ولا يجوز التذرع بها ضدهم، لأن النظام الإسلامي ملزم في الإطار الشرعي باحترام العهود والمواثيق المبرمة داخليا وحتى دوليا.
ومن نصوص الحرص على هذه المعاني قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (ألا من ظلم معاهدا أوانتقصه أوكلفه فوق طاقته أوأخذ منه شيئا بغير طيب نفسه فأنا خصمه يوم القيامة) رواه أبوداود، وقال الإمام السخاوي وسنده لا بأس به.
وما ورد عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما) رواه البخاري.   
وهذا يدخل فيه المستأمنون بالأخص، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في فتح الباري(والمراد به من له عهد مع المسلمين سواء كان بعقد جزية، أوهدنة من سلطان، أوأمان من مسلم).      
عن أم هانىء أنها أجارت ابن هبيرة وهو على غير ملة الإسلام عام الفتح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (قد أجرنا من أجرتِ يا أم هانىء) رواه البخاري ومسلم.
ومنه شرعت قيمة التعايش الإسلامي مع الغير ما كانوا مسالمين، بقوله تعالى (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين) سورة الممتحنة 08.  
كان لي جار مصريٌ ذكر لي سعة التعايش بين المسلمين والأقباط في مصر، يستأجرا شقة يملكها مسلم، في عمارة ساكنوها مسلمون، يلتقون، يتسالمون، يتهادون ما أبيح بينهم، ولم أجد حرجا في إحدى أيام الجوار من إرسال أهلي تتطبب على يدي زوجته التي تسمي الله قبل الحقن، وغيرها من أشكال التعايش التي لم يجدوها مع أبناء عقيدتهم في بلدانهم، لانعدام هذه الضوابط والآداب والنظم كما شرعها الوحي عندنا. 
إن من لم يفقه هذه الأحكام لقصور العلم الشرعي يتهيأ له الاستئثار بالحرية التامة له على حسابهم، أويبيح لنفسه التصرف معهم كما لو أنه في معركة جهادية قتالية شرعية.     
أما المعتدي كاليهود الغاصبين فلا يعنيهم هذا التطمين إلا أن يخرجوا من أرضنا ويرفعوا أيديهم عن قدسنا، وتكون السلطة عليها لنا، (إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون) الممتحنة 09.
هم والموالون بإفراط لغير المسلمين المتأثرون بعاداتهم دون مراعاة لقيمة كبرياء الإسلام سواء.
هذه بعض جوانب توظيف الحريات التي قد تغيب عن كثير من المسلمين المتهارشين المتهارجين على أبسط الأمور بينهم وهم يُعدُّن لبناء دولة الحق والقانون.
يتبع في الجزء الرابع إن شاء الله.

الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

أحدث أقدم