بين المال والتقوى


كتاب الله تعالى ما فرط في صغيرة ولا كبيرة، ولو بالقواعد العامة والكليات الأصولية، ولم يذكر أحكاما ولا مواعظ ولا فوائد ولا غيرها إلا بتنسيق معجز عظيم، يشرب به القارىء قناعة ربانيته.  
ومنه قاعدة التعامل المالي المتعلقة بتقوى الله تعالى ومخافته.القارىء لمقدمة سورة النساء في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ، إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) 01، بتدبر دقيق يدرك ما معنى أن يُذْكَرَ موضوعٌ في عبارات قليلة، ثم يعقبه تفصيل طويل في موضوع جديد يظهر لغير المتدبر بون شاسع بينهما، وتساؤل عن سر التعرض للتقوى مع ذكر المال، وما مكانها من الطرح وقد توقف الحديث عنها مباشرة ببداية علاجات قرآنية للمال؟ خاصة لمن تعود على ربط المقدمات بما بعدها ولو بشعرة تبينه، لكن الإعجاز القرآني قرر غير ما يرى البشر، لزيادة التدليل على ربانية مصدره، لا بشريته.
يدور الحديث كله عقبها حول أموال اليتامى، مهور النساء، أموال السفهاء، وجوب تسليم الميراث لمن كتب له رجالا ونساء مما قل أوكثر نصيبا مقدرا، العطف المالي على الضعفاء مع اقتسام التركة، التحذير الشديد والوصف الرهيب لآكل مال اليتيم، تفاصيل اقتسام الميراث، العودة إلى مهور النساء خاتما ما سبق بالتحذير من أكل أموال الناس بالباطل لأنه قتل للأنفس بالذنوب والاقتتال.
إن المنتبه إلى هذه السياقات يدرك إعجاز كتاب الله تعالى، في الربط المعاملات المالية بالتقوى، لأن المال وإغراءاته لا يثبت عندها بشر إلا بروحانية مع الله، ولولاها لسال لعاب الكل، ولما قلَّ النزاع المالي بين المسلمين، ولأكل الناس أموال بعضهم، فلن يتعفف عن أموال غيره إلا التقي.
المنتبه إلى ذلك يدرك أن الحديث عن التقوى قبل التعامل المالي تهيئة معنوية ونفسية وعلائقية مع الله، لأن الاختلاط بالمال طابعه القسوة، والطمع، واللهث، والشراهة، والحرص الشخصي، وانعدام الشغاف العاطفي، والتنازل للضعيف.  
وسيكون الكلام عن موضوع حساس من الناحية النفسية والمادية بدون تهيئة معنوية روحية، قاضيا على قيمة التكامل بين الروح والمادة، بين النفس والجسد، ليحمل جانب نقص الآخر، ولا غرو فإن الله خلق الكون أزواجا متكاملة 
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

أحدث أقدم