بين التفسير والتأويل


نظرتي تمثل رأيا يعتريه الصواب والخطأ، ولا أعدم رأيا آخر من الاعتراض، ولا قولا من الإثراء.
وجدت جل تعريفات التفسير تحتوي معه التأويل دون التمييز بينهما، واعتبرهما كثير من العلماء شيئا واحدا، حتى ليفتقد الباحث الشخصية الخاصة بالتأويل.
قد يحسب غير محترفي هذا الفن التطرق لهذا الجانب مجرد كلام فارغ، بسبب جهل التأثير المتعدي لماهية الأشياءٍ على التبادل العلمي، والتطبيق الفكري الميداني.
أثناء انشغالي بتدريس هذا الموضوع، لاحت لي بينهما ضبابية في أذهان الملقين والمتلقين، من الجامعيين والأكاديميين والمفكرين، بسبب صرفه عن ذاتيته القوية من قبل جل العلماء والمفسرين.
قال أبو عُبَيدة وطائفة: هما بمعنًى واحد، وعليه فهُما مترادفان، وهذا هو الشائعُ عند المتقدِّمين من علماء التفسير، كالإمام ابن جرير وغيره. مجاز القرآن (1/86)، تحقيق: سزكين، ط: الخانجي، الإتقان في علوم القرآن (4/167).
قال الراغب الأصفهاني: التفسيرُ أعمُّ من التأويل، وأكثرُ استعماله في الألْفاظ ومفرداتها، وأكثر استعمال التأويل في المعاني والجُمَل، الإتقان في علوم القرآن (4/167).
وقد سمعت عددا من أساتذتنا الجامعيين يجعلهما شيئا واحدا، ومنهم أستاذنا الهاشمي تيجاني.
ولولا مشكل الاختصار لنقلت الكثير من الأقوال التي يبدو لي صرفت مفهومه عن حقيقته.
لقد استشرت لكتابة هذا المقال ثلة من الأساتذة، منهم الدكتور فاتح ربيعي، وأستاذنا محمد الأمين بوقلقال، وفقيهنا المالكي ولدبابا علي بشير، وشيخنا وإمامنا الأستاذ أحمد طيبي، كي لا أجتر ما قد يكون سبقني إليه غيري.
فأحسست بحرج وإثم كتمان جوهر التأويل المنفصل تماما عن التفسير، مستأذنا كل سادتنا العلماء الأفاضل الذين قد تطرقوا إلى الموضوع بالتفصيل، وإن تطاولت عليهم فهو تيسير مختصر لفهم ما أجملوه، واختبار حفظي لما بينوه،، ولذلك أقول:
1/ التفسير هو علم يتناول شرح وتوضيح وبيان النصوص، مع استنباط الأحكام العقدية والفقهية والفوائد والحكم واللطائف، والإشارات الروحية كما جاء في روح المعاني للألوسي، ولذلك تعددت مناهجه وأصنافه، فمنها التفسير بالقرآن، والحديث، وأقوال الصحابة، واستنباط الأحكام الفقهية، واللغة، والنحو والصرف، والجانب الاجتماعي، والعلمي، يستعان عليه عادة بأسباب النزول وعلاقة النص (آية أومجموعة آيات) بما قبله، وما يقيد مطلقه، ويخصص عمومه، وما يبين مجمله، وأحداث السيرة النبوية، والشعر والنثر الجاهلي، واللهجات العربية المتناثرة، وغيرها،، للتعرف على المعاني والمفاهيم المرادة.
2/ أما التأويل فهو علم إضافي أخص منه وأرقى، ليس محتوى فيه، يتعلق بالقرآن وغيره، ومنه الرؤى في المنام.
أيام قراءتي كتاب مجموع الفتاوى لابن تيمية رحمة الله عليه، وجدته بَيَّن توضيحه الشافي له، فهو عنده علم يهتم بالنظر إلى مقصد النص القرآني مستقبلا، من آل يؤول أي وصل إلى نبأ مستقبلي، إنه علم لا يشرح شيئا مما سبق، إنما يشتغل بإنباء القارىء بما سيحدث مستقبلا، ولهذا لا نجده في القرآن كله، وإنما في بعض نصوصه، ولم يوله الله لكل مشتغل بالتفسير، فهو ملكة توهب لأخيار يلهمهم الله إدراك الإخطارات التي تريد بعض نصوص القرآن نفثها في روع من هيأه الله لذلك، سأذكر بعضهم عند الإشارة إلى تعاملهم مع بعض النصوص.
فعلم التأويل لا يتناول ما سبق من تفاصيل التفسير، وهذا الذي لا يتفطن له إلا الفطاحل من مصاحبي كلام الله.
إنه يعتمد على قواعد، وخلفيات، وإشارات لا تنقدح إلا في أذهان شامخة عند جبال عتيقة من الصحابة والعلماء.
فقد روى البخاري أن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما أوَّل سورة النصر بدنو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، معتمدا على نظره الحصيف إلى سابق انتهاء أعمال وأقوال ومشاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما كبار الصحابة فالتفتوا إلى الشرح فقط.
وروى البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس وقال: إن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ذلك العبد ما عند الله، قال فبكى أبوبكر، فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد خير، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير وكان أبوبكر أعلمنا،، فقد اتجه أبوبكر إلى التأويل لا إلى التفسير، حتى ولو فيه فائدة روحية.
وروى ابن كثير تأويل عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه قوله تعالى (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا) في سورة الأحقاف 15. بأن أقل الحمل المشروع ستة أشهر، فقد ذهب إلى التأويل لا إلى التفسير.
وروى البخاري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أوَّل قوله تعالى(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً) سورة المائدة، بقرب أجل النبي صلى الله عليه وسلم حين بكى فقيل ما يبكيك؟! فقال: إنه ليس بعد الكمال إلا النقصان.
ومنه مآلات الرؤى والأحلام في المنام، التي يخطىء الكثير في اعتبارها تفسيرا، حتى ألَّف البعض في تفسير الأحلام، أشهرها تفسير الأحلام لابن سيرين، وأراه على غير صواب، لأن النائم يرى في إطار زمني قصير جدا ألغازا أوصورا واضحة لها مآلات لا تفسيرات، لمعرفة مقصودها، وما سيحدث بها، لذا نجد كمثال في سورة يوسف عليه السلام التسمية الصحيحة لها.
قال تعالى (ويعلمك من تأويل الأحاديث)06
(وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)36، فذهب يوسف عليه السلام إلى المآل وهو خروج الأول من السجن، وإعدام الثاني.
كما أوَّل رؤية الملك سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات بالمآل، وهو حلول سبع سنوات زرع وحصاد، ثم سبع سنوات قحط وجفاف، بعدما عجز عنه ملأه، (قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ) 44
(وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا) 100، وهو تأويل سجود الشمس والقمر وأحد عشر كوكبا، بسجود والديه وإخواته.
أظن الصورة انجلت جيدا فيما يميز بين التفسير والتأويل، ليتناولهما الباحث والقارىء والأستاذ والعالم والمفكر ليبرز بها مراده وهو يدرِّسُهما، وينكشف مبتغاه الذي يبغي سكبه في أوعية طلبته، بسبب مساهمة أسأل الله لها الصواب بتوفيق الله، وإن اعتراها الخطأ فهو من عدم تمام العلم وافتقاري إلى المزيد منه.
فرأيي صواب أطرحه مع احتمال خطئه، ورأي غيري خطأ لا أتبناه مع احتمال صوابه.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

أحدث أقدم