المستبد ضحية نفسه

من نعم الله على العبد منحُه حرية اختيار عقائده وأعماله مع الدعوة والتوجيه، ليتحمل تبعة اختياراته.
لكنَّ المستبدَّ تتفتح بصيرته على البدايات، وتُطمس عن النهايات وأسبابها أثناء الممارسات، فيمضي في طريق الجبروت المنهوب من شعبه لنفسه باتجاه واحد، لا يلوي على حساب ولا مراجعة، ولا وقوف، يضع عينيه وفكره صوب منافعه وفقط، ولو داس الناسَ كلهم، كسائق السيارة إذا أغلق ذهنه عن الطريق والمارة إلا السرعة المفرطة فيجد نفسه نزيل المستشفى في أحسن الحالات، أوبين منكر ونكير في أسوئها.
كذلك المستبد، يفكر داخل صندوق الديكتاتور، يُعمي وعيَه عن العدل ليصيب كل معترض، فيكون موطنُه ضحيَّةً بالتخلف الحضاري والاقتصادي والثقافي والقيمي وكل الميادين، لأنه اتجه صوب تثبيت ملكه وفقط، ودوام سلطانه، لا يفكر في ضرورات مملكته وحاجياتها، إلا ما يجلب له المنافع الخاصة ولو جاعت وافتقرت وتَرِبَتْ.
وإذا زاد الشيء عن حده انقلب إلى ضده، فالاستمرار في تقويض حقوق الرعية لحسابه وفقط، وأدٌ لنفسه بدءً، ليكون ضحيةً أولية، ولو تأخر حتفُه، حين يقدم مقهوريه قربانا على مسرح المحرقة، ويحسب الأمر هَيِّنًا، في تقدير أوهام ظنونه سيؤثر على الرعية فقط، مستغفلا لها بنجاته، إلى أن يجد نفسه في سجن الثائرين، أولحد المقبورين.
الملك العَضُوض لا تدوم عضَّةُ فكَّيْه على المستضعفين، لأن الجسم المتألم يقاوم، حتى يوقن بأن انكسار جناحه نتيجة إفراط قهرٍ غيرِ محسوب العواقب.
يرى لنفسه بقصور، ويرى العاجل دون تقدير الآجل، بصيرته مُطْمَسَةٌ عن الأواخر، بسبب الغرور والاستكبار.
غرق فرعون نتيجة مكابرته، لكنَّ إدراكَه تأخَّرَ، لأنه غرغر في البحر، {حَتَّيٰٓ إِذَآ أَدْرَكَهُ اُ۬لْغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا اَ۬لذِےٓ ءَامَنَتْ بِهِۦ بَنُوٓاْ إِسْرَآءِيلَ وَأَنَا مِنَ اَ۬لْمُسْلِمِينَۖ}يونس/90، {فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِۦ فَغَشِيَهُم مِّنَ اَ۬لْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْۖ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُۥ وَمَا هَد۪يٰۖ}طه/77، لكن العاقبة خاطبته بغلق بابها، {ءَالَٰنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ اَ۬لْمُفْسِدِينَۖ}يونس/91.
وقارون ضَحَّى به غروره بماله، {فَخَسَفْنَا بِهِۦ وَبِد۪ارِهِ اِ۬لَارْضَ فَمَا كَانَ لَهُۥ مِن فِئَةٖ يَنصُرُونَهُۥ مِن دُونِ اِ۬للَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ اَ۬لْمُنتَصِرِينَۖ}القصص/81.
السلاطين يُضَحِّي بهم استبدادهم في أتون الثورات الشعبية وانقلاباتها عليهم.
هم ضحايا غلقِ عقولهم بِضَعَةِ بلدانهم وعشائرهم وأقوامهم وضعفها قبل الخصوم والمنافسين والأعداء المتربصين.
المستبد ضحية نفسه بلعنه بعد الانقلاب عليه أوموته، لأنه لم يترك ما يُخَجِّلُ الناس من نفسه، بعدل، أومساواة، أورحمة، أوعاطفة، أوحُنُوٍّ على الضعفاء، لأنه لم يعقل ضعف البداية التي أوصلته إلى تلك النهاية.
وغيره تَنْحبُ الأمّة كلها وفاتَه، بدءً برسول الله ﷺ، وكل حاكم أحبه الرعية ونعموا تحت ظل عرشه بالعدل والاطمئنان والأمن، لأنه اتعظ بأواخر الأعمار قبل إقبالها، فاتقاها بتوفيق الله، ونظرٍ حكيمٍ إليها، اعتبر بخطر الفتنة إذا أقبلت قبل أن تُدْبِرَ مُوَرِّثَةً الدمار والخراب.
المستبد يغيب عن بصيرته العمياء أن لحظة وجوده لحظة فنائه، عكس العدل فلحظة وجوده لحظة دوامه، بنقش ذكراه كالحجر في أذهان رعيته، اقتداءَ خلفائه به.
المستبد ضحية أطماعه، بنقش الذكر السيء له ولعنه تعبيرا عن التحرر منه.
لا يوجد مستبد نجا من الدعاء عليه والتضرع إلى الله بإهلاكه، وهو المتسبب فيه.
المستبد أوْلى من يقال له "يداك أوكتا وفوك نفخ"، يداه أوكتا على رقاب مقهوريه لخنقهم، وفُوهُ نفخ وَهْمَ العظمة، فحطمت الرقابُ أغلاله، وانفجرت عظمته هواءً لِيُرْدَى به غيرَ مأسوف عليه.
عندما أرى تضحية المستكبرين بأنفسهم فيتساقطون تباعا، أنظر لعل بقايا السلطنة يعتبرون بهم كي لا يكون مآلهم كمصيرهم، والعاقل من اتعظ بغيره.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم