اضطراب المستبد مع محيطه

لا يستقيم للمستبدين في أخلادهم تمكن إلا بالقهر والقوة والبطش بالرعية، لكن رغم استتباب الوضع عند بعضهم، وتسليم الناس لهم، تجنبا لمزيد قتل وتشريد وتخويف، إلا أنهم يرقبون كل شاردة وواردة توجسا من حقارة أحجامهم عند محكوميهم، يظنونها تنقلب على ملكهم.
المستبد يتوجس من كل شيء، تقلب الجو، نظرات الآخرين، طلباتهم، إجاباتهم، تحرك الكون، ارتعاد فرائص الضعفاء، محيطه، عنده شك في النيات والمظاهر، لو مرَّت عليه فأرة ظنها مرسلةً من خصم، أوعدو، أومنافس، للقضاء على سلطته، لا يثق حتى في أعوانه وحرسه.
يعمد دوريا إلى تغيير وزرائه وخدمه وعسكره، خوفا من تجذرهم والتحضير للقضاء عليه.
إذا كان العدل يطمئن الحاكم ويرفع قدره فينام بضمير مرتاح، فالمستبد لا يُمْنَحُ فسحة نومة هادئة، هواجسه تقلبه في فراشه، رؤاه الحُلُمية توقظه مذعورا، لاختلاج خِسَّة قدره في صدره، إذا أسرع إلى مخادع قصره لم يجد ما قَضَّ مضجعَه.
لا تستقيم الدولة أوالأمة والملك والحكم والسلطة بانعدام الثقة.
الجواسيس والعيون تُكَلَّفُ ضد الأعداء، والمستبد من اضطرابه مع محيطه يكلفها ضد الجميع ولو كانوا أولي قربى، يحسب كل نسمة عليه.
أكثر سجنائه بلا جريرة ولا عقوبة، وإنما بالرهب، خشية نشر عداوته بين الناس وهما.
كان فرعون يكثر الحَذَرَ بأساليب مختلفة، بالسؤال الملزم، الموهم للعظمة، المفزع بالتوبيخ، بتأكيد التكذيب بالحق، وغيرها.
{وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِے اِ۬لَارْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَٰنَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُواْ يَحْذَرُونَۖ}القصص/05.
لو كان له يقين في ملكه، وعدل فيه، لما سأل ما يلي:
{وَنَاد۪يٰ فِرْعَوْنُ فِے قَوْمِهِۦ قَالَ يَٰقَوْمِ أَلَيْسَ لِے مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ اِ۬لَانْهَٰرُ تَجْرِے مِن تَحْتِيَۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَۖ، أَمَ اَنَا خَيْرٞ مِّنْ هَٰذَا اَ۬لذِے هُوَ مَهِينٞ وَلَا يَكَادُ يُبِينُۖ}الزخرف/50إلى 52.
وَجِلَ من جديد دعوة موسى عليه السلام فمنَّ عليه عوض الإتيان بالحجة على بطلان دعواه، فقال الله تعالى عنه:
{قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداٗ وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ، وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ اَ۬لتِے فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ اَ۬لْكٰ۪فِرِينَۖ}الشعراء/17و18.
لم تكن له براهين ادعاء ربوبيته وإلهيته، فلجأ إلى الملأ، {قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُۥٓ أَلَا تَسْتَمِعُونَۖ}الشعراء/24.
لما أرهصت فرعونَ الولاداتُ، وخشي نبوة جديدة تلزمه الإيمان بالله، أوالإزاحة، قتل الذكور، حسما لتمهيدية التربية القيادية النبوية على حسابه، {فَلَمَّا جَآءَهُم بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ اُ۟قْتُلُوٓاْ أَبْنَآءَ اَ۬لذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ وَاسْتَحْيُواْ نِسَآءَهُمْۖ وَمَا كَيْدُ اُ۬لْكٰ۪فِرِينَ إِلَّا فِے ضَلَٰلٖۖ}غافر/25.
نَفْسُ المستبد كُلُّهَا اضطراب من بطانته، فَزَعٌ ممن حوله، تَوَقُّعٌ لكل مستقبل سيء، لا راحة له من شدة الهلع، الجهلة حوله يظنونه مستويا على عرش الراحة والاطمئنان، بطشه يخيفه من المنتقمين الذين يتهيأ لهم انبساط جبروته، يقوده اضطرابه إلى الزلات اللسانية بذكر الظن، لانعدام اليقين لديه، {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنِ اِلَٰهٍ غَيْرِے فَأَوْقِدْ لِے يَٰهَامَٰنُ عَلَي اَ۬لطِّينِ فَاجْعَل لِّے صَرْحاٗ لَّعَلِّيَ أَطَّلِعُ إِلَيٰٓ إِلَٰهِ مُوس۪يٰ وَإِنِّے لَأَظُنُّهُۥ مِنَ اَ۬لْكَٰذِبِينَۖ}القصص/38.
المستبد يشتري الذمم ولا يثق في تقلباتها، المتكلم مسجون، والمُؤَيِّدُ مُحَرَّرٌ مُراقَب، والساكت مُقامٌ جبريا.
عقدة الجهل تلاحقه مع أهل العلم، على خوفٍ من تَحَلُّقِ الناس حولهم.
يملأ محيطَه الجهلةُ والأميون ليسهل قيادُهم، يظهر بينهم نابغة عصره، ووحيد زمانه، وفريد جيله.
بطانته الموافقون المُصَادِقُونَ، لأن الناصحين يهزون كبرياءه المختال، فتضطرب دخيلته النفسية على عرشه القاهر.
نياشينه زينة في عيون حرسه، شناعة في عين نفسه، لأنه تزيى بها زورا، الجنود له لا للبلاد، يُسَيِّجُ بهم حضيرته الظالمة من هواجس ثغرات مرور المتربصين.
لسان واصفه ظلمت فأرِقْتَ.

الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم