الغرب والاستبداد


تحدثت سابقا عن خلفيات الاستبداد، تقف وراءه، تُمِدُّه بأسباب القوة والاستمرار، لمصالحها، تضرّرت الرعية أمْ تعافت.

منها الغرب الأوربي والأمريكي، والشرقي الروسي، وملحقهم الإسرائيلي في فلسطيننا.

ينبهر مستَلَبو العقول بطبيعة السلطان في الغرب، حرية الرعية مكفولة، الفوز بالحكم يحصل باحترام اختيار الشعب والمؤسسات، تجاوز القوانين ممنوعٌ يُقاضي الحاكمَ.

لا يُنْسِئُ الرئيس أورئيس الوزراء أوالحكومة مواعيد الانتخابات، ولو ظنَّ خسارتَها.

هذا هو الظاهر الماسح لأذهان مقلدي الإعلام المُلَمِّع للصورة الغربية الراسمة لنمط الحكم.

يتضاعف الانبهار بالتدخلات الإعلامية والسياسية والعُمَّالية المعارضة والناقدة لجزئيات سلطوية، يَجْهَلُ المُغَرَّرُ به دورانها في فلك طبيعة النظام المتفق عليه، لأن خروجها عليها يكلفها مآلات استبدادية قاسية جدا.

الحريات الغربية المزعومة المُؤَطَّرَة غطاء أبيض يُعَمِّي واقعا أسودَ، كقهر الحريات الدينية، إلا قليلا صوريا أمام الرأي العام الآخر، منها الاستبداد مع صلوات العمال المسلمين، صيام رمضان للاعبين، الحجاب للنساء، وغيرها.

القوانين الحامية لسلطة رئيس وزراء الكيان من القضاء والانتخابات تُكَذِّبُ ادعاءات الحرية الشعبية داخل الأراضي المحتلة.

أما الاستبداد الخارجي فأعظم جرما.

فرنسا ساوت صوت الفرنسي الانتخابي داخل الجزائر بخمسة أصوات الناخب الجزائري.

النماذج السلطوية الإفريقية تنصيب استبدادي غربي لجبابرة إفريقيا، دوسًا على شعوبها وفرضا لمصالحها ولو بإراقة دمائها.

انقلابات نظمتها فرنسا ضد الحكام الإفريقيين المتحررين المتفلتين من وصايتها مدنيا أوعسكريا، وكلما ثارت الشعوب الحرة أنزلت قواتها لحماية المستبد، كما جرى في مالي، النيجر، التشاد، المغرب، بوركينافاسو، كوتديفوار، ناميبيا، وغيرها.

الغرب المستبد مكَّن للأبارتايد الإنجليزي في جنوب إفريقيا دهرًا إلى أن قهر الزُّنُوجُ استمرارَه.

انقلابات استبدادية قادها الغرب ضد الانتخابات النزيهة الشفافة العادلة في بلدان، لأنها متحررة من وصايته، أشرف عليها قياداته مباشرة، ولا يهمه إراقة الدماء بسببه.

المصريون اختاروا رئيسهم بحرية، فبذل الغرب وسعه لإفشال التجربة رفقة الكيان وعملائه فيها، ونَصَّبَ مُسْتَبِدًا داس على القيم الإنسانية وقتل وسجن وهَجَّرَ وتوفي الرئيس المنتخب في سجونه، لإعلانه التحرر من الغرب بذاتيةِ صِنَاعة الدواء والسلاح والغذاء، لا يقبلها الغرب أبدا، للإمعان في استمرار التبعية له، حمايةً لمصالحه وللكيان، وامتصاصًا لخيرات البلدان.

والروس الحامي لمصالحه مستبد مع المقاوم كما فعل بالسوريين، مَرِنٌ مع الموالين على تخوف.

الغرب يعاني عُقَدًا نفسية معنوية عميقة تبرمج استبداده مع الغير، منها:

1/ عقدة التعالي، ينظر إلى غيره بالدونية، ومن التَّأسُف القول إنَّ قومنا رَبَّوْا عقدته هذه بالتملق والإعجاب والانبهار والاستلاب.

2/ عقدة الخوف من استعادة المظلومين حقوقَهم وأراضيهم، فيسلط عليهم قهره ليستمرّ تخلُّفُهم بما يُعْجِزُ مقاومتهم، خاصة من جانب السلاح والعلم والدواء والغذاء.

3/ عقدة التفوق الصناعي والتقني والعلمي، يرى عدم صلاحية المتخلفين إلا عبيدا أوخدما، ليحرمهم كل صور الحريات التي يتغنَّى بها ويُلَمِّعُها وَهْمًا وكذبا وبُهتانا.

4/ عقدة عدم الثقة، عوض تعامله الاستثماري التشاركي ولو مع إفريقيا باحترام سيادتها واستقلالها الترابي والسياسي، يفرض الوصاية لعدم ثقته في تواصل شراكتها حال الاستقواء.

هذا لا يعني الإذعان لهاجس المؤامرة لأنه لو لم يجد استعدادا ذِمَمِيًّا لما نفذ إلى جسد الأمة واستبدَّ بها.

هذا هو الغرب الذي لا يرى القاصرون علميا وثقافيا وتاريخيا ووعيا صورته الحقيقية العميقة القاتمة، كل القيم الإنسانية عنده متغيرة، إلا الاستبداد فهو من ثوابته، لكن يدور حيث تدور المصلحة، الموالون له المقهورون به عنده رائعون، والمتحررون المقاومون لاستبداده عنده متخلفون رجعيون ظلاميون إرهابيون دمويون.

استمرار النظرة الساهية عنه مُهَدِّدٌ بالغفلة والركون إليه وهو يعض الأنامل من الغيض، ليهدم كل محاولات بناء حضاري راقٍ بقيم الحرية والعدل والإنسانية.

الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم