الإعدام بين الحماسة والازدواجية

الشريعة مراعية لمصالح العباد عاجلًا وآجلًا، بجلب المنافع ودرء المفاسد، رحيمة حتى بمظاهر الشدة كالعقوبات، لأن في درء الضرر نفعًا عظيمًا.
ولا شك في شجاعة الإصرار على تشريعٍ قانونيٍ للعقوبات في خضم تلاطم الأمواج ضد ما يتصل بالشريعة الإسلامية، وحرصٍ على حسن رعاية المجتمع المُفَوِّضِ، وحمايتِه من الإجرام الفردي والمنظم، توافقًا ومقاصدَ شرعنا الحنيف.
المسلم حمَّالُ ثأر لله بحمية إيمانية، فالنبي ﷺ يتجاوز عن نفسه، أما انتهاك حرمات الله وتهديد كيان الأمة وزعزعة نظامِها الإسلامي فيغضبه.
دون بلوغ الشَّطَطِ، لِتُحْتَرَمَ التفصيلات المناسبة لحوادثها ومراحل تطبيقاتها، حتى تبْرَأَ الذّمة باستيفاء جميع شروطها وانتفاء موانعها، رغم تَمَعُّضَاتِ غير المسلمين، والمنافقين.
فلا يجرمنَّنَا الشنآن على تحريف سكة العدل والحق والصواب، {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ}المائدة/8.
تطبيق الشريعة بعقل يتفكر ويتدبر، يضع مخططا على طاولة التصميم، لا بإقدام آني انفعالي.
فلا تدفعنا الظروف القاسية ومُحْدِثُوها نحو اندفاعات غير شرعية، وسهوِ عن جزئيات الإجرام المقتضية لأحكامها الخاصة، تحقيقا لمقاصد جزئية تندرج تحت الغايات الكلية والعامة.
فجرائمُ حكمُها القتل، وأخرى اختياراتُ الحاكم لدفع الصائل حسب الحالات وجسامتها، كقوله تعالى{إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}المائدة/33.
الحماسة المتفاعلة مع الحرمة والأرض والعرض والمال والحيوان والعمران بغير حساب:
1/ تضبب روح العدل الشرعي ورحمتَه.
2/ تُسَعِرُ نُبَاحَ مُمَانِعِي الشريعة والعِلْمَ والوطن.
3/ تُحَرض الأجنبي فَيُسْنِدَ معارضي التشريع ولو بمسمى القانون، كالموالين لفرنسا والغرب، وقفوا كثيرا ضد مصلحة البلاد والعباد، بازدواجيات متناقضة.
4/ تجُورُ ولو مع الظالم، بمجانبتها العلمَ والتدقيق والتخطيط.
5/ تستدرج التمييع الزمني بعد هدوء النفس.
فالوسطية اعتدال، دون التنازل عن عقاب شديدٍ مُسْتَحَقٍّ للمجرم.
مزدوجو المواقف، لم يستنكروا المحرقة الجزائرية وبشاعتها وظلم الإنسانية، واختطاف الأطفال للابتزاز السياسي والاجتماعي، وغش المشاريع والتجارة والاقتصاد، لم يُعَزُّوا ضحايا الحرائق، ثم يستنكرون إعدام المجرمين المنظوماتيين لِحَمْلِهِ معنى القصاص ودفع الصائل بوصفية إسلامية، ولو لم يُبدِهَا مُعتمِدُ القرار.
لا يضعون أنفسهم مكان الضحايا، يُهدرون دماء المواطنين كسالف عهودهم، بإغفال الوعي الوطني.
يَتَشَمَّعُونَ بحقوق الإنسان، وحقوقُ الأرواحِ لا تُعَوضُها إلا الأرواح، يدركون التفطن المتنامي لخروجهم عن القيم الأصيلة، لكنهم يَتَحَدَّوْنَهُ إلى آخر نفسِ قلةٍ ظالمة لأغلبية مسحوقة.
إذا أوذوا في أنفسهم أوأولادهم أوأموالهم ولو بالخطأ طالبوا بالقصاص وبمصطلح غير تشريعي كعادتهم، وينسون محاربته قبلُ أوبعدُ، وسيعارضونه إذا تعلق بالوطن الجريح والمواطن المكلوم، وسيتوارون إذا جرحوا الوطن.
العمل بالإعدام {القصاص الشرعي} يقتضي إنصافا {لا مع السلطة ولا مع تناقضات التيار العلماني الفرنكوفيلي} أن:
1/ يحذرَ الحماسة العاجلة، خشية انتهاك معايير التطبيق.
2/ يتأنَّى بعمق ودراسة شرعية قانونية.
3/ يتحلى بالقدرة على التفصيلات المتنوعة في الشريعة للتمييز بين عقوبات متنوعة لجرائم مختلفة، وهو العدل التام الحكيم.
4/ يتحلى بالشجاعة السلطانية للتطبيق دون تردد يلغيها مع الزمن وتداول الإدارات الحاكمة، ولا مناورات شعبوية تمنح مُحرق الغابات وقاتل الإنسان، ومُختطف الأولاد، وعاقر البطون، الإقامة والتَّسَوُّقَ بين الضحايا بأمن من عقوبة أسقطتها عوامل كثيرة:
أ} كحمية قرار وتلكؤ تنفيذ.
ب} كخضوع للضغوطات الداخلية والخارجية المضادة.
ليتم الاستقرار وسيادة القانون والوعي الوطني، وحماية كيان الأمة والمجتمع من الإجرام المنظم، ومن الضغوطات الخارجية والازدواجيات المواقفية.
فيكون الحاكم في مأمن من عتب الدنيا والآخرة، بلا تفريط في الإطار الشرعي للمجتمع، ولا خشية لومة لائم.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم