تساءلت منذ جويلية عن صمود الإصلاحات التعليمية أمام الحملة الشعواء للقلة الساحقة المنسلخة عن القيم الوطنية والمتمردة عليها، رغم شُحّ المعطيات والخلفيات والدواعي.
يبدو أنه حدثت مراجعة لجزئياتها، وكسب شرعية رسمية عليا، تزامنا مع التحذير من توظيف التعليم في الصراعات الإيديولوجية لضمان الحياد التعليمي، طَوَّقَهَا بأنصاف الحلول، وسياسة ملتفة، لفرض توازن بين الخصوم يقع تطبيقه الميداني على تلميذ بريء يريد علما لا صراعا بين رغبة الإصلاح وعنفوان المعارضة ولو بأقليتها.
فهو استرضاء للطرف الوطني باللغة العربية، وبالفلسفة لطرف قوي استطاع بدقة تنظيمه المتدرج عبر السنوات فرض منطقه بإسنادات مختلفة، لِتُوَقِّعَ العربية المرغوبة انتصارَها على الفلسفة كمادة معادة غير مرغوبة، وليتنامى الوعي الاجتماعي والنخبي، شريطة ألا يعود على التلميذ وأوليائه بتأثير سلبي، تعبيرا عن اعتبار الحدث تعثرَ تجربةٍ أومناورةً، مع البحث في البدائل المحضرة نحو التطبيق النهائي للإصلاحات، فالمجتمع ينتظر تخريج تلميذ مشبع بالقيم الوطنية تشد عضد علومٍ عالمية راقية قوية صحيحة وتقنيات حديثة قابلة للتطور ومواكبة التجديد المتواصل في العالم لكل المجالات.
رغم إصرار العلمانيين والفرنكوفيليين على معارضة أي مشروع إصلاحي وهم يُعَلِّمُون أولادهم في الخارج، وفي التعليم غير الرسمي، ومقصودهم طلاء ما تبقى بصبغتهم الموافقة لِنَسْلِهِمْ وموافقيهم، لفرض تعليم جزائري فرانكوعلماني عكس تعليم جزائري شامل يريده الوطنيون موافقا للقيم الأصيلة.
أظن أن الوزارة أخطأت قراءة المطبَّات الموقوتة المتنوعة بإخراج جميع أوراقها فاستنفرت الأقلية المتنفذة، وجانبت الاستفادة من التجارب الناجحة في تفعيل السنن الربانية بالتدرج الصامت، فأخرجت بذكاء استدراكًا جاهزا بالتنازل عن الشحم بدل اللحم، لتواصل الإصلاحات مشروعها في الطريق، ولولا توقيعات مساندي الوزير لكانت الإلغاءات شاملة.
فنحن أمام تكرار أخطاء كثيرة ومتشابهة، تفشل أية عملية إصلاح في مجالات التعليم، الصناعة، الحرب، الاقتصاد، السياسة، الثقافة، الرياضة، وغيرها.
وعليه فمراعاة الألغام تقتضي برمجة إصلاحية متدرجة، بالصمت المُغَفِّل للدوائر المراقبة المشاكسة، وبتجنب وضع السلطة العليا في موقف حرج أمام الزوابع السياسية والديبلوماسية والدولية، لأنها ترى نفسها راعيةً لكل المواطنين، فتتدخل قسرًا ليبقى موقعها قويَّا يضمن التسيير السلس لمختلف القضايا الوطنية خارج ميدان الإصلاحات.
قد يكون المخرج لمن يريد تكوينا دسما وزخما معرفيا لولده اللجوء إلى التعليم الذاتي عند المستودعات، والأكاديميات، والأولياء المثقفين المتعلمين، وغيرها من المجالات المستقلة عن المدرسة، ليزود التلميذ نفسه بمكسب ضخم معرفيا وعلميا خارج التعليم الرسمي الذي يكتفي داخله بضمان المشاركة في الامتحانات السنوية للارتقاء.
ونحن لا نريد تَفَطُّرَ المحلات الدراسية الحرة هيكليا وبيداغوجيا وفكريا، فينقسم الشعب الجزائري بين الإيديولوجيات المتضاربة، ليصبح عندنا جزائريون متفاصلين، نُضَيِّعُ وحدتهم.
استطاعت الأجيال السابقة التعليم والتكوين بذاتية خارج رسميات المدرسة، وصلت إلى زخم علمي قوي ومعارف ضخمة بوأتها مكانات عالمية محتمية بالقيم الإسلامية الأصيلة رغم الظروف القاسية وسيطرة الجناح الفرنكوعلماني على وزارة التربية كعهدة مصطفى الأشرف، فلم يستطيعوا القضاء على دين ولغة البلاد فشعبها مسلم.
العلم يزداد بالرغبة الحرة، أكثر من الجبر، فجمعية العلماء المسلمين الجزائريين استطاعت باستقلالية عن التعليم الفرنسي صيانة أجيال متعلمة متربية محافظة للجزائر، سلالات الكثير منها تجندت في ثورة التحرير.
فجزائريون رافقَ حفظُ القرآن، والصلواتُ، والطبائعُ الإسلاميةُ علمَهم العالميَّ في الفيزياء والذرة والطب والصناعات المختلفة، بالتحصين العقدي الإيماني.
فليعتمد الجيل الحالي على نفسه ريثما يصفي الله بالنضال السياسي والتربوي والعلمي بالحجة والبرهان مدرسته من الوزغات الطفيلية، لتمكين الإصلاحات من رؤية النور من كل جوانبه، ورفع مستوى الوعي، فإن سنن الله في التداول حية لم تمت..
Tags:
تعليم
