الحرية قيمة مقدسة مُذْ خلق الله البشر، ثابت إنساني ديني، وسيلةً وغايةً، تُطلب للعيش المطمئن على العقائد والأرواح والأموال والأعراض والأفكار وطرح الآراء، والتنقلات في السياحات والتجارات، يناضل لها الزعماء لِيُمْعِنُوا في مَنَعَتِها والذود عنها، يحفظها السلطان فلا تحرجه التحفظات والمطالبات الحرة بلا اتخاذها معول اعتداء على الغير، ولا إيذائهم بلفظ أوسلوك.
المؤمن الحقيقي بها يناضل لأجلها، ويعتلي صهوة النصر فيحس بمعاناة المقيدين والمستعمَرين ليعوضهم، فيعلو صيته، ويكبر ذكره.
عكس مُتَوَسِلٍ بها لا يتغياها، يظهر بها ما لا يُبطن، يستدرج المحرومين والغلابى لاعتلاء منصات فيكون أول مُضَيِقٍ على التابعين حزبًا، أورعية.
سير النضال للحرية، يمتد من الادعاء إلى الوفاء، تُجَاهَدُ به النفس، والهوى، والشيطان، ليس ممنوحا للجميع، لذلك كما تُعَسِرُ شدة الجوع، وشهوة اللذة التعفف عن ملك الغير ولو كان حبة في شجرة، فالتزام مُبتدأ النضال عسير على من لم يتشرَّبْ خُلق الوفاء، ولم يعرف قيمة الحرية له ولغيره، عليه وعلى غيره، فالنفس تَوَّاقة للزعامة، شحيحة على التواضع فوق الهرم، يُعمي العُلُوُّ بصرَها، فتستحوذ بالنعيم لها لا لغيرها، كما يَتَزَيَّى مُدَّعِي المعرفة الربانية بالشطحات الروحية ليسقط عن نفسه ما يتوجب على العامة.
زعماء الخيال يستبدون أثناء النضال المفترى للحرية، كما امتطى كثير من قيادات النضال والمظاهرات والاحتجاجات والإضرابات الحرية وهم يوكِفُونَ ظهرها بالجبروت.
مناضلون تَسْحَبُ سلوكاتُهم وخطاباتُهم منهم المصداقيةَ بطروحات تُشَمُّ منها رائحة التحضير للتعسف بركوب موجة النضال، كعلمانيين يعتلون الحرية والديمقراطية ولو بالخروج على أحكام الشرع، فإذا تسلطوا لم يمنحوا الشعوب معشار مزاعمهم.
حِرَاكَاتٌ تتحد فصائلها حول التحرر من الطغمات، فتنحرف في الطريق إلى بطش بيني، بإكراهات على قناعات، وحربٍ على قناعات، لا علاقة لها بِهِمَّةِ الأحرار.
معارضون حزبيون يُمَنُّونَ القاعدة المنخرطة بالحرية الواسعة ويرسمون لها أوهام التلاحم وتحكيم القوانين الأساسية والأنظمة الداخلية والمؤسسات المسيرة، فيفضح نيلُ الأوطار استغفالًا فقط ليمروا إلى جور أشد من سابقيهم.
متمردون يعتلون الحرية ليؤسسوا هيئات جديدة، فَيُسَخِرُوا تحت إمرتهم غافلين يُمْلون عليهم بلاهاتهم.
مترشحون يَعِدُون جماهير التجمعات جناتِ النعيم في الدنيا، يُحَلُّونَهم استبرق الحرية، فإذا مُنِحُوا الأصوات وَرَفَعَتْهُمْ الأكتاف أغلقوا المكاتب وَمَنَّعُوا الحُجَّابَ إدخال المحتاجين، وصدُّوا الرأي والنصح والملاحظة والنقد، وكابروا بشتيمة أفضلية التدبير.
زعماءُ من لينين إلى مشابهيه ضَيَّقُوا على الشعوب بالحديد والنار وقد استعملوهما في طريق الوعد بالحريات الواسعة.
انقلابات كثيرة في العالم انطلقت واستغفلت بالحرب على الاستبداد واستجلاب حرية الأمم، لكنها استخرجت من لا وعيها البطش والتنكيل.
امتطوا ظهر الوعد بالاستقلال عن طغيان الملوك فاستبدوا أكثر منهم، وعاملوا الشعوب بالتعذيب والتنكيل، وكأني بهم عاقبوهم على بيعتهم.
الحرية عند البعض حصان طروادة، يضع متزعمها الرِجل على الرِكاب فيتحول مفترسا هصورا، للوصول إلى غيرها بإهانةٍ للإنسانية واستحمارٍ لها، يحمل رايتين، البيضاء للمغفلين، والسوداء بعد توريطهم.
النضال لفرضها ضد المستكبرين لصالح المغلوبين مَكْرُمَةٌ، تتطلب نصيبا كبيرا من معرفة الله، ومفهوم العبادة الشاملة، والنفس، والشعور بمعاناة المستضعفين قبل وبعد جلب الحرية.
الحرية وسيلةُ استقلال، وغايةُ استمرار الحكم الراشد، أما إرادتها الواهمة لتكون مطرقةَ وسندانَ القهر فحبلُ كَذِبٍ قصيرٌ، أخَّاذٌ إلى مشنقات الانتقام، والتاريخ يَعُجُّ بها.
مَن تَوَسَّلَها وتَغَيَّاهَا عاش في رحابها وروابيها، ليكون لِخَلَفِهِ قدوة حسنة، وإن اقتصر على النحو بها إلى الاستبداد لم يَعِشْ سوى أيام تسلقه هرم السلطان، في ظلمات الخوف من الأحرار وتوجسِ حَوَلَانِ غدر الحياة، إلى أن ترمي به في قمامات التاريخ ليصبح لِعَقِبِهِ عبرة سيئة.
Tags:
ثقافة
