من أجل نهضة ذاتية

الاحتقانات العالمية، خارج الفعل الإسلامي، مع كثرة الهيمنات الإقليمية، والعالمية، استقطبت الاهتمامات، والعاقل من يتمنى سقوط القوى المهيمنة وإنهاكها الشديد، لتشتغل بأحوالها وترميماتها، فيخرج المسلمون من عمق الركام الاستعماري والاحتضاني والاستقطابي.
قلت في مقال (سقوط الفرس والغرب والاحتلال)، "لا أريد لأمتي الاقتيات من ضعف غيرها، فأسباب السيادة كامنة فيها"، لرفضي نهضة رَدِ الفعل، فهي مؤقتة حبيسة عبورها، كالعلل المتحكمة في وجود وعدم الأحكام، لن تدوم، بل هو نموذج نهضوي منكسر، وانتكاسة بعد قيامها على شفا جرف هار، يمكن جدا دراسة مكوناته الهشة للقضاء على محاولاته الجديدة قبل اشتداد جذعه.
قد تسقط القوى الكبرى في فجوة تعجز عن اللحاق بفرار الأمة من تخلفها، وهو ضرر مفيد لنا.
لكن كل ذلك واهٍ موهومٌ لا يملك عوامل الاستمرار، والخوف من زواله المتوقع أوالمفاجئ أرجح من أمل دوامه.
كالأمم التي تشيد بنيانها على استقلالها من المحتل، دون العودة إلى أصول ما قبل الضعف والتفريط المؤدي إلى الانتداب على البعض، والاستعمار على الآخرين، لَبِنَاتُهُ لا تُرَصُّ بقيم رصينة تحميه من الانهيار.
أريد أمة تولد لِتُعَمِّرَ، لا لتمرض فتموت، وتنهض لتستقيم، لا لتنحني فتنهار.
يتأتى بالولادة الرحمية الأصلية، ممتلكات ذاتية، ومكنونات مملوكة، لا عطاءات الأحوال، في الأمم والدول التي تفسح لنا مجال المرور.
أريد وأتصور نهضة لا هِبَةً عابرة، تُسْتَرَدُّ عند أول غيظ.
للمسلمين من الأصول والقواعد والقيم المُعَضَّدَة بنصوص الوحي ومسالك الاجتهاد وكنوز الله في بلادهم ما يمنحهم دوام المَنَعَةِ والتمكين إن تواصل التمسك بها.
كالميزان إن ملئت كفته دام رجحانها، وإن أُهْمِلَتْ طاشت، وهو ما حدث للأمة منذ زمان.
العناصر الأساسية التي اعتمد عليها الغرب للسيادة محصورة جدا، السلاح، الغذاء، الدواء، وهي التي أكسبته السطوة السياسية وألقت الانبهار على المسلمين والمتخلفين غيرِهم.
لكن عناصر قوتنا كثيرة لا تحصى:
1/ نصوص الكتاب والسنة:
هي إطار تماسكي بسبب خلود صلاحيتها، يحمي الرجوع إليها من الانحراف، لبحث معالجات القديم والمستحدث والمستجد:
١) بجزئياتها التي تتنزل على الفرعيات، وتبين أساليب تطبيقاتها.
٢) وكلياتها المصاغة بها القواعد استقراءً، لبيان تنزيلها على المستحدثات عبر الزمن كله، لإنجائها من الزلل أثناء المعالجة والتنفيذ، الاجتهادييْنِ، مَنَّ الله على المؤهلين لذلك بالعقولِ الحكيمة للفهم والإسقاط.
هي نفسها التي كانت بين عقول وأفهام الصفوة الأولى، لِتُرَاعَى كما رَعَوْها، وتعضيدها بالتجديد والتحديث يؤتنا ما آتاهم.
2/ القيم:
غير المسلمين لهم قيمهم، لكنها هيولية مميعة تحكمها المصالح الضيقة ووهم الخلود، قابلة للانهيار والتغيير، عوض كونها قواعد منهج، أوسلم السلوكات في الحياة.
لكن للمسلمين قيمهم المستمدة بالخصوص من النصوص، ترسم منهاجا واضحا للحياة، وليست محجوزة للمصالح الضيقة المنحازة، كقيمة الدين، العلم، العمل، العدل، الشورى، الأخلاق، الوقت، التكافل، وغيرها، تَرُصُّ صفوفهم وتماسكهم، ثابتة لا متغيرة، إلا في الترتيب.
3/ الإنسان:
المترجم الفَعَّال الذي تحضره وتعده النصوص والقيم، بما يملك من استواء {أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}الملك/22، وإباءٍ وشجاعةٍ وإصرارٍ على النهوض، إن أحسن استثمار طاقاته.
4/ الثروات:
وهبها الله بكثافة ووفرة للمسلمين، في أراضيهم، فَحُسِدُوا عليها {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ}النساء/54، منها يستخرج الغذاء والدواء والسلاح الذاتي.
أريد لأمتي:
أ} شجاعةَ الشخصية والذهن والعقل بحرية، لِتُصَعِّرَ لآخرين طامعين حاسدين، يبذلون المقدورات لاستدامة تخلفنا، وابتزاز عقولنا ومواهبنا وثرواتنا كما يحدث لإفريقيا الغنية الفقيرة.
ب} نهضةً مستقلةً لا تابعةً، متعافيةً لا مريضةً، مُنْتَبِهَةً لا مُنَبَّهَةً، انطلاقتها من نفسها قبل الأقدار الدائرة على غيرها.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم