رأينا في المقال السابق تحت عنوان {الاقتداء وتغير القدوات}، نظرة عامة عن تساقط الاقتداء الصحيح، ونقل مصداقيته أوثقته من أهله إلى غيرهم، ولأن لكل ظاهرة أسبابا متعددة، فإني أرى لهذا الانشطار الاجتماعي أسبابا، منها:
1/الجهل، كلما نقص باع العلم، أوتهاوى، أوانعدم، تبعته نتائجه في السلوكات والقرارات والعلاقات والطبائع، ويفعل الجاهل بنفسه ما لا يفعل العدو بعدوه، ويستهويه كل شيء حق أوباطل، صواب أوخطأ، ويصبح سبيلَه ومثالَه الأعلى في الاقتداء مذهبُ المؤثر فيه، والملازم له.
2/ذهاب الاعتصام القبلي والعشائري العاصم من قواصم التمرد الفردي والجماعي، بدعوى التفتح في أساليب ووسائل التربية للصغار والشباب والكبار، فعوض توظيفه في غرس القيم بالحوار والنقاش والهدوء النفسي على المربى، والأساليب المتطورة الإيجابية، يُعرض ويتنازل عنها بترك الصغير دون رقيب اجتماعي ولا حسيب عرفي، حتى قال العوام {المربي من عند ربي}، فينتقل بين مقتدًى وآخر، والنفس تهوى الأيسر وتتفلت من الأضبط، لتذوب شخصيته بين تعليمات سلوكية لمن يغرس الأهواء والمجون ويتخذ الفاسدين المثلَ الأعلى.
3/تشجيع المتساقطين على هذا الأمر، تبريرا لواقعهم، واعتضادًا بمزيد من الأتباع والأمثال والمشاكلين.
4/حكومات كثيرة في عالمنا الإسلامي تسلق مسؤولوها أسوار المناصب يشجعون هذه الظواهر للإلهاء، وإبعاد الملاحظات والانتقادات، خاصة إذا عانت تدهورات في مجالات سياسية واقتصادية وقيمية وحضارية، فترضى بأجيال مترهلين مهترئين يتمايلون في الاقتداء بين كل ناعق، بدل انضباطهم غير المناسب لها.
5/الانتشار والتطور الرهيب للرقمنة، حواسيب، هواتف، تلفاز، بما قطع صلات عائلية،،، كنت أعيب على سكان بعض المدن القليلة إذا دخل الشخص البيت اختفى لأنه منفرد في غرفته بالمنزل الواسع، ففرضت التقنيات الحديثة ذلك في البيوت، ولو ضاقت، فالأجساد متلاقية مترائية، لكن الأرواح متفرقة بين الهواتف والحواسيب في أقبية الأنترنت.
كان الحاسوب العائلي سابقا موضوعا في مكان عام تراقبه عيون الأولياء، للوقاية من الاتصالات السيئة الكثيرة، بالرقابة الأبوية، أما وقد استأثر كل فرد بهاتفه الصغير المخفي بين يديه فلا سيطرة تُعِينُ الرقابة على التقييد، إلى أن يخرج علينا مالك الهاتف بشخصية وطبيعة أخرى مغايرة استمدها من الفضاءات المختلفة عبر هاتفه، مقتدية بجلساء غيبيين، ورفقاء سوء خياليين، وما يُحَضِّرُه الذكاء الاصطناعي أدهى وأمرّ، ولقد نشرت في ذلك {الذكاء الاصطناعي والتعليم} يوم الجمعة 15 سبتمبر 2023م الموافق لـ 30 صفر 1445هـ،، {الذكاء الاصطناعي والقراءة}، يوم الجمعة 29 سبتمبر 2023م الموافق لـ 14 ربيع الأول 1445هـ.
6/النقص الفادح للدور المسجدي، فبعض المساجد قائمة بدورها، لكنها لم تُحَصِّل الكفاية، ليبقى الفرْضُ مُتَعَيِنًا على الجميع، ففي الوقت الذي يستمر الاعتداء على القيم الإسلامية لتمييعها بين الشباب تمهيدا لطمسها، تعاني دروس وخطب المساجد سطحيةً في طرح موضوعاتها، بما لا يقنع الحاضرين، بحجة مخاطبة عوام، ويَغْفُلُ مدرسون كثر عن أعماق مسائل، وعن مستويات علمية وثقافية وتقنية للحاضرين، فالوقت لم يعد كما كان، إلا أنَّ أئمة لا يزالون في عصور قديمة، ولم يملأوا أذهانهم بتحديثات على العقول والدروس والخطب، بما ينشر الوعي الضروري للمرحلة الراهنة، فيفتقدون لقوة الطرح المستقطِبَةِ للاقتداء بالمسجد عوض غيره كالشارع والمسرح والملعب والمقهى ومواقع التسلية.
معركة الوعي لا تقل عن معركة السلاح، لأن السلاح يكسب صاحبه الرهبة ليركب الرُّعبُ قلوبَ الأعداء فيقتلهم، أما الوعي فيصنع مجتمعا ويبني حضارة تحفظ أركان الأمة، لتُعْرِضَ عن كل عمليات الاستقطاب العالمي بسبب اعتصامها بالقيم الصحيحة الصلبة للتماسك بها، لتعرف بماذا وكيف ومتى تفيد من غيرها دون انسلاخ يطمس هوية الاقتداء الأصلي لِيَحِلَّ غيره.
Tags:
أخلاقيات
